شعب عرطة
13-02-2007, 04:46 PM
تقرير أوروبي محايد: نزاع عربي ـ فارسي يهدّد الشرق الأوسط قد تفجّره حرب النواصب والروافض... داخل العراق
بروكسل – الوطن - بعد أكثر من ثلاث سنوات من الاجتياح الأميركي للعراق، وسقوط نظام حزب البعث السابق في بغداد، واندلاع مواجهات داخلية عراقية ـ عراقية وإسلامية وعربية، ضد الوجود الأميركي، وضد العراقيين القابلين والمتكيّفين مع الحالة الجديدة، اعتقدت أغلب دول الجوار العراقي، أنها بمنأى عمّا يقع في دولة الخلافة العباسية، التي شهدت سيولاً من الدماء عبر التاريخين القديم والحديث. وبقيت الدول المتورّطة في إيقاع الفتنة بين العراقيين، أو عرقلة المشروع الأميركي لدمقرطة الشرق الأوسط، تمارس دور المتفرّج الى جانب دور المستفيد، على أمل تحقّق ثلاثة أهداف مشتركة جمعت النقائض والمتناقضين وهي: إفشال التجربة الجديدة، وتخويف شعوبها حتى لا تقدم على ما أقدم عليه العراقيون بالاستعانة بالأجنبي أياً كان الهدف، وإجبار شعوب المنطقة بالتالي على القبول بما هي عليه، مهما كانت الأوضاع الحالية سيّئة. والهدف الثالث، دفع أميركا الى جرّ أذيال الخيبة والانسحاب، ليس من العراق فقط، وإنما من كل المنطقة، وهو ما لن تفعله الولايات المتحدة، حتى وإن احترقت كل المنطقة طالما بقي النفط. غير أن تقريراً صدر حديثاً من مجموعة الأزمات الدولية، وهي جهة أوروبية محايدة أكثر موضوعية وعلمية وحيدة، وتجرّداً من أغراض الاحتلال والمصالح والتحالفات، ينذر دول الجوار العراقي بحصاد قد لا يكون بإمكانها الهرب من تبعات ما فعلت، أياً كان غرضها، سواء بالتورّط أو بالتزام الصمت والاكتفاء بالتفرّج.
التقرير يعتبر أن العنف العشوائي من أحد الأطراف في العراق، بات يستتبع عنفاً عشوائياً من طرف آخر. سلسلة الهجمات التي استهدفت وزارة الصحّة ومدينة الصدر يوم ٢٣ تشرين الثاني (نوفمبر) ٢٠٠٦، جاءت ردّاً على اختطاف رهائن في وزارة التعليم العالي قبل ذلك بأيام عدة، وبدورها أطلقت هذه الهجمات عمليات شنّها جيش المهدي ضد مساجد سنّيّة. الميل الخاطئ لتعريف العدو، ضمن تصنيفات اجتماعية واسعة، يظهر بوضوح في الاصطلاحات التي تستخدمها المجموعات؛ فتعبير «روافض»، الذي يعني المرتدّين الرافضين للاعتراف بالخلفاء الراشدين الأوائل، والذي استخدم في البداية من الجهاديين من أتباع أبي مصعب الزرقاوي زعيم تنظيم القاعدة، أخذ يستخدم تدريجياً من قبل جميع الأئمّة العرب السنّة، لوصف الشيعة بشكل عام. وعلى المنوال نفسه أخذ الشيعة يستخدمون بشكل متزايد تعبير النواصب (المغتصبون، أي الذين اختطفوا السلطة ممن يعتبرهم الشيعة الخلفاء الشرعيين للرسول) لوصف السنّة، باعتبارهم يرفضون أو يحتقرون سلالة الإمام الحسين. العنف يولّد نفسه أيضاً بقدر ما يدرّ من موارد مادية تحتاجها إدامة النزاع، والمعارضة المسلّحة تمارس نشاطات مدرّة للأموال لا حصر لها تشمل اختطاف الرهائن والابتزاز، مثل ابتزاز أموال مقابل ضمان عبور الشاحنات التجارية عبر مقاطعة الأنبار. الادارة الأميركية لم تدرك ذلك إلا في مرحلة متأخّرة، بعد أن كانت تصرّ على تسليط الأضواء على دور رئيس مزعوم لدعم مالي خارجي للمعارضة المسلّحة، وخصوصاً من جانب سورية وإيران. بشكل أكثر عمومية، كانت الولايات المتحدة والحكومة العراقية تميلان للنظر إلى حركات التمرّد على أساس أن جذورها تمتد إلى الخارج ـ في شبكة جهادية انتقالية أو مركز سيطرة بعثي في دمشق أو كلاهما. واقع الأمر أن لدى المجموعات المسلّحة العراقية طائفة واسعة من الموارد القابلة للتعويض بما في ذلك الأسلحة، والمقاتلين المتطوّعين والأموال. الشيء نفسه ينطبق على الميليشيات الشيعية التي تجري المبالغة في علاقاتها مع إيران واعتمادها عليها، خصوصاً من جانب السنّة. الشيعة أيضاً حاولوا تطوير درجة من الاكتفاء الذاتي، ففي البصرة على سبيل المثال، تقاسمت الميليشيات والقبائل نشاطات مولّدة للعائدات المالية، مثل تلك المتّصلة بالحركة عبر الميناء أو صناعة النفط، كما أن المستثمرين العاملين في جهود إعادة الاعمار، يقعون ضحايا بصورة منهجية لعمليات الابتزاز، وأصبحت عمليات الاختطاف مهنة بتفرّغ كامل. في وسط العراق، وفي بغداد بصورة رئيسية، يعتبر العنف ضد السنّة مورداً مالياً كبيراً، فالميليشيات يستولون دائماً على ما يجدونه مع ضحاياهم، أو يسعون لطلب أموال من عائلاتهم مقابل تسليم جثثهم.
تقسيم متجانس
وينبئ التقرير بأن تقسيم الأراضي العراقية إلى مناطق متجانسة طائفياً، مفصولة بخطوط مواجهة أمامية واقعية، كان عاملاً مساعداً أيضاً. نتيجة هذه العملية، التي تسارعت بصورة مدهشة في عام ٢٠٠٦، لم يعد هناك ما كان يعرف بالأحياء المختلطة ـ التي لم يكن ممكناً لأحد تحديد هويتها سنّيّة أو شيعية قبل الحرب ـ وحلّ محلّها بشكل أساسي مناطق موحّدة. أوضح مثال هو حالة بغداد. فالعاصمة الآن، كما يصفها سكانها، مقسّمة بوضوح بين الضفة الغربية لدجلة (الكرخ)، وهي ذات أغلبية سنّيّة، والضفة الشرقية (الرصافة) ذات الأغلبية الشيعية. مع ذلك، وكما أسلفنا أعلاه، فهناك جيوب أقليات كبيرة في الضفتين. وحول ذلك، قال صحافي عراقي له علاقة وثيقة بجيش أنصار السنّة، وهو مجموعة سنّيّة مسلّحة: «الحروب الأهليّة لا تثور فجأة بين جيران يعرفون بعضهم منذ أمد طويل. ينبغي أولاً تحقيق الفصل بين الأطراف، ثم تظهر بعد ذلك خطوط أمامية واضحة تقسم بين سكان يتبادلون الكراهية والعزلة، فهذا يتيح المجال لقتال أكثر عنفاً وتنظيماً». بعض المراقبين يحاجّون بأن هذا التقسيم الطائفي في مناطق متجانسة، ومن حيث أنه يعمل على تحديد الجغرافيا البشرية العراقية، ويقلّل من مناطق النزاع المحتملة، فإنه قد يكون السبيل نحو إرساء الاستقرار في البلاد في نهاية المطاف. هذا محض زيف. ستبقى هناك مناطق متنازع عليها لا حصر لها، وستحتاج إيجاد حلّ لها بالضرورة، درجة من العنف أكبر بكثير وأكثر وحشية بكثير مما يحدث حالياً. التوزيع الطائفي في العاصمة، إذا أردنا أن نأخذ مثالاً واحداً، ليس مستقرّاً بأي صورة من الصور، فهناك مجموعات مسلّحة متنوعة تبدو وكأنها تعدّ العدّة لمعركة طويلة للسيطرة على بغداد، وهذا ما تشير إليه حالات متعدّدة من تهجير السكان وتحدّي التركيبة الطائفية القائمة حالياً.
الحدود الطائفية
ويعتبر واضعو التقرير أن أقلّ الاحتمالات سيتمثل بقتال شديد على الحدود الطائفية الحالية. وبهذا الصدد، فإن من المحتمل أن تصبح الجيوب الكبيرة للشيعة والسنّة التي تبقى في مناطق طائفية «مضادّة»، هدفاً لغارات عنيفة ومنطلقاً لأعمال انتقامية مضادّة على حد سواء. الحالتان الأكثر حساسية هما الأعظمية ـ وهو حي بغدادي ذو أهمية حيوية للسنّة، ولكن يتصادف وقوعه على الضفة «الشيعية» ـ والكاظمية ـ وهو حي بغدادي ذو أهمية للشيعة، ولكن يتصادف وجوده على الضفة «السنّيّة». من بين المناطق الساخنة الأخرى المتنازع عليها مدينة سامرّاء، وهي مدينة تقع إلى الشمال من بغداد، وتضم مقامات شيعية مهمّة وسط منطقة سنّيّة، والتي لن يقبل الشيعة «فقدانها» في أي حال من الأحوال. أكثر من ذلك، فهناك سلسلة من المدن السنّيّة ـ تشمل اليوسفية والمحمودية والإسكندرية ـ تقع مكشوفة وهدفاً سهلاً بين بغداد من جهة، والملاذات الشيعية في النجف وكربلاء من الجهة الأخرى، فإذا ما انسحبت القوّات الأميركية، فلا يمكن استبعاد حدوث مجازر بالجملة. وإلى الشمال من بغداد، تبقى محافظة ديالي أيضاً منطقة مختلطة طائفياً، حيث تحوي مزيجاً من العرب، الشيعة والسنّة على السواء، إضافة إلى أكراد لن يكون من السهل ولا من الممكن سلمياً إيجاد حلّ لوضعهم. أخيراً، فإنه إذا ما حصل توتّر بين العرب والأكراد، فإن كركوك والمناطق المحيطة بها ستتحوّل بسرعة إلى منطقة أخرى من النزاع الوحشي. المواقف الازدواجية للنخبة العراقية هي أيضاً سبب آخر لدورة العنف، فعلى الرغم من الادانة الروتينية للطائفية، فإن كثيراً من هؤلاء يحقّقون في الواقع مكاسب كبيرة من التفاعلات الجارية أو، على أقلّ تقدير، يخاطرون كثيراً إذا وقفوا ضدها. الشيخ حارث الضاري، الإمام السنّي الذي يترأس رابطة علماء المسلمين، أدان بشكل مخفّف فقط الهجمات الانتحارية ضد أهداف مدنية أو اغتيال موظّفين مدنيين (مثل عمال المستشفيات)، رغم أن هذين الشكلين من الممارسات قد تمّت إدانتهما على نطاق واسع من قبل المعارضة المسلّحة نفسها، باستثناء الجهاديين. ومقتدى الصدر، الذي يعظ داعياً إلى الوحدة الوطنية، ويكرّر الدعوة للتعاون الشيعي ـ السنّي، يستسهل إلقاء المسؤولية عن القتل الطائفي الواسع النطاق الذي يقوم به جيش المهدي التابع له على «أفراد منشقّين».
لغة القادة
ويذهب تقرير مجموعة الأزمات الدولية الى البحث عن جذور العنف، فيستخلص أنه وقبل كل شيء، موجودة في لغة القادة السياسيين حيث كانت الظاهرة الأكثر تدميراً من أي شيء آخر. الخطاب المتطرّف كان سابقاً على تمزّق البلاد وليس العكس. إذا أردت أن تستوعب الأمر، فانظر إلى البرلمان فقط، حيث منذ البداية اتخذ كل عنصر مكانه في المجلس على أساس موقع «جماعته». إنها حرب بين الأحزاب السياسية وليست حرباً أهليّة. التعايش بين المجتمعات موجود منذ مدة طويلة، بحيث لا يمكن لعراقي أن يقتل جاره لمجرّد الحقد الطائفي فقط. هناك خلف كل الجرائم التي تحدث اليوم أهداف سياسية وأجندة حزبية. القادة السياسيون أصبحوا بصورة متزايدة غير مكترثين بمصالح البلاد، وأخذوا تدريجياً يتحوّلون إلى أمراء حرب، في حين أن العراق بحاجة ماسّة إلى قادة وطنيين. تحليل النزاع في العراق ينحو إلى تقسيمه إلى قسمين: تمرّد عربي سنّي موجّه ضد الاحتلال الأميركي من جهة، ونزاع مدني بين السنّة والشيعة من جهة أخرى. وفقاً لوجهة النظر هذه، هناك حاجة لاتخاذ خطوتين لإنهاء النزاع: انسحاب القوّات الأميركية مقرون بنوع من التفاهم بين المجموعتين الطائفيتين، سواءً كان ذلك عن طريق صفقة سياسية أو، في بعض الآراء، تقسيم جغرافي.
الأولوية العاجلة
ويشدّد التقرير على أن الانسجام الظاهري الحالي بين مجموعات التمرّد، ليس أكثر من انسجام تكتيكي وقصير المدى، ودافعه هو الأولوية العاجلة والمباشرة لقتال الاحتلال. على المدى الأبعد، وما أن تنسحب القوّات الأميركية، حتى تتبدّد هذه الوحدة السطحية من دون شك. ستصطدم رؤية الجهاديين مع وجهات نظر المقاتلين الأكثر براغماتية، الذين، مع أنهم متديّنون، إلا أنهم معنيون أكثر بمستقبل العراق من نشر الإسلام وانتصاره النهائي. الواقع أن الخلافات هي أعمق من ذلك: «فلا ما يسمّى الوطنيين ولا الجهاديين متّحدون. كلاهما يحوي تيارات مختلفة». وفي ذلك قال مثقّف عراقي له صلة قريبة بقيادة حزب البعث الجديد: «قيادات المقاومة لا توافق على أشياء كثيرة عدا عن تحرير العراق، وليس لديها أي تفهّم أو خبرة للديمقراطية، والأرجح أنهم سيتقاتلون فيما بينهم في عراقٍ محرّر». باختصار، فإن كل مجموعةٍ رئيسية يشير إليها المحلّلون غالباً عند وصف العراق، هي منقسمة بعمق وبطرق معقدة ومتعدّدة. هذه الانقسامات ستصبح على الأغلب أكثر حدّة كلما تفككت الأمّة.
التأثيرات المحتملة تتجاوز رقعة النزاع
في الوقت الذي يقترب فيه الصراع من عامه الخامس، أخذ يصبح جاذباً لتدخّل إقليمي عميق، ومصدراً لاضطرابات إقليمية كبيرة على حد سواء. من حيث المبدأ، هناك مصلحة مشتركة للبلدان المجاورة والقوى الإقليمية الأخرى في احتواء النزاع وتجنّب تأثيراته الارتدادية. بيد أن هذه البلدان التي تفصلها عن بعضها أجندات متعارضة وعدم ثقة وعدم تواصل، لم تستطع حتى الآن تنسيق استراتيجيات تحقّق تلك الغايات. الضرر الأكبر نجم عن المنافسة بين الولايات المتحدة وإيران، وقناعة طهران بأن واشنطن تسعى لإنشاء نظام إقليمي مضاد. نتيجة ذلك، وبدلاً من العمل معاً في سبيل هدف يستطيع الجميع التعامل معه (عراق موحّد ولكن ضعيف لا يشكّل تهديداً لجيرانه)، فإن كل طرف، في ما يبدو، يتّخذ إجراءاتٍ تحسّباً للنتيجة التي يخشاها الجميع ـ سقوط العراق في فوضى وتجزئة شاملة. وبزيادة الدعم لبعض اللاعبين العراقيين ضد آخرين، فإن أعمال هذه البلدان تحمل في طيّاتها نبوءةً ذاتية التحقق: خطواتٍ ستعمل على تسريع العملية ذاتها التي يزعمون أنهم يريدون تجنّبها.
تجنيد العملاء
ويمضي تقرير مجموعة الأزمات في سرد نتائج دراسة الحالة العراقية فيقول: تبيّن خلال الثلاثة أعوام ونصف الماضية، أن لكل طرف إقليمي لاعبيه المفضّلين داخل العراق، الذين يدعمهم ويشجّع نشاطاتهم. تستطيع إيران أن تجد أصدقاء متعاونين في أوساط الشيعة، وتستطيع الدول العربية إيجاد أصدقاء لها في أوساط العرب السنّة، وكذلك تركيا في أوساط التركمان. بوسع الدول المجاورة تجنيد عملاء تحريض في أي من هذه المجتمعات، بما في ذلك في أوساط الأكراد. أما إيران التي لها حدود طويلة مع العراق ومصالح استراتيجية وموجودات هائلة، فإنها تستطيع، إذا ما شعرت أن مصالحها معرّضة للخطر، أن تفعل أكثر بكثير مما فعلته حتى الآن في دعم حلفائها داخل العراق، والكثير من الأذى للقوّات الأميركية. سورية، بالمثل، وهي رأسُ نبع متدفق من المتمرّدين عبر وادي الفرات، على الأقل سابقاً، تستطيع توسيع فتحة التدفق أكثر بكثير مما يبدو أنها فعلت حتى الآن. وتستطيع تركيا التصدّي للتحرّكات الكردية حول كركوك، برعاية نشاط مسلّح في أوساط المجتمعات المعادية للخطط التوسعية الكردية. دول الخليج، وهي تخشى هيمنة إيرانية على منطقة جنوب العراق الغنيّة بالنفط، تستطيع عرض دعم مباشر على المتمرّدين السنّة، المصمّمين على قتال إيران ومن يشتبه به من عملائها في العراق، وبذلك يسهمون في تصعيد الحرب الأهليّة. إذا تطوّر النزاع إقليمياً وفقاً لهذه التصوّرات، فإن الكتل الثلاث المزعومة ـ الأكراد والعرب السنّة والشيعة ـ ستنقسم، على الأرجح، إلى عدد من المجموعات الفرعية المتعارضة، وكل مجموعة تتلقى الدعم من راعيها الإقليمي.
نقل التجربة
على المستوى العملي، أدّت الحرب إلى زيادة كبيرة في أعداد اللاجئين العراقيين، الذين يجلبون معهم غالباً الجرائم، وعنف العصابات والقتال الجهادي بطبيعة الحال، وكل ذلك يثقل كاهل أجهزة الأمن في الدول المضيفة. عواقب توسّع النزاع إقليمياً قد تكون كارثيّة. فإن النتيجة، من حيث الخسائر البشرية وتدفّق اللاجئين والدمار الاقتصادي، ستكون هائلة، مقارنة بما جرى حتى الآن. ورغم أنه يتم عادة إجراء مقارنات مع الحرب الأهليّة اللبنانية، فإن الاحتمالات الممكنة للزعزعة الإقليمية، هي من عيار مختلف تماماً، في ضوء الأبعاد الدولية للنزاع والصلة بالصراع الأميركي ـ الإيراني، والأهمية الاستراتيجية للعراق، ووجود النفط والمناخ الملتهب أصلاً في فلسطين ولبنان وأماكن أخرى.
نزاع عربي ـ فارسي
ويحذّر التقرير من أن أحد أكثر الاحتمالات خطورة، هو تجدد النزاع على جانبي تقسيم عربي ـ إيراني. النفوذ الإيراني المتنامي في العراق، مقروناً ببرنامجها النووي، وأداء حزب الله في الحرب اللبنانية الأخيرة، ضخّم حالة الاحساس بالخطر في البلدان العربية بشكل عام والخليج بشكل خاص، إلى درجة خطرة وغير متناسبة. هذا الادراك يؤدّي، بدوره، إلى جعلهم يتبنّون سياسات يُنظر إليها في طهران باعتبارها عدائيةً جداً. والاقتراحات الأميركية ـ الإسرائيلية، بتحالف محتمل مع الدول العربية السنّيّة ضد إيران، تزيد هذه التفاعلات اشتعالاً. وكلمّا تطوّر هذا الوضع، كلما أصبح العراق مسرحاً لحروب مهلكة نيابة عن الآخرين. إذا حدث ذلك، فإن الولايات المتحدة ستخوض معركة صعبة ولا يمكن التنبؤ بنتائجها. وكما أظهرت السنوات القليلة الماضية، فستكون معركة تخوضها طهران باستعداد وإمكانيات كبيرة، في ضوء تمتّعها بمعرفة عميقة بالعراق، وترسيخ أقدامها يومياً في العراق، مقابل زعزعة الوجود الأميركي يومياً، وامتلاكها نقاط ضغط عديدة في سائر أنحاء المنطقة.
إعادة بناء
ويستخلص التقرير أهمية وحيوية إعادة بناء الدولة العراقية الجديدة، من خلال الحاجة إلى ميثاق سياسي جديد. لا تستطيع العملية السياسية الحالية توليد التنازلات الضرورية، لإعادة الاستقرار للبلد، وإعادة بناء المؤسّسات البالية، والتي يعشش فيها الفساد، ولم تعد اليوم قادرة على توفير الأمن أو تأمين السلع والخدمات. الواجهة الرئيسية لهذه السياسة، مراجعة الدستور، مخيّبة للآمال: أعضاء لجنة المراجعة لا يستطيعون أن يفعلوا شيئاً تقريباً، سوى تبديد الوقت في مراجعة نصٍ كان له دور كبير في الاستقطابات في المجتمع. هناك سببان لذلك، النخبة الحاكمة في العراق لم تظهر أي إشارة الى أنها تقدّر مدى الحاجة لتنازلات حقيقية، وبدلاً من ذلك، تستخدم كل مجموعة العملية الدستورية لخدمة مصالحها الخاصّة، قبل أي مصلحة وطنية.
بروكسل – الوطن - بعد أكثر من ثلاث سنوات من الاجتياح الأميركي للعراق، وسقوط نظام حزب البعث السابق في بغداد، واندلاع مواجهات داخلية عراقية ـ عراقية وإسلامية وعربية، ضد الوجود الأميركي، وضد العراقيين القابلين والمتكيّفين مع الحالة الجديدة، اعتقدت أغلب دول الجوار العراقي، أنها بمنأى عمّا يقع في دولة الخلافة العباسية، التي شهدت سيولاً من الدماء عبر التاريخين القديم والحديث. وبقيت الدول المتورّطة في إيقاع الفتنة بين العراقيين، أو عرقلة المشروع الأميركي لدمقرطة الشرق الأوسط، تمارس دور المتفرّج الى جانب دور المستفيد، على أمل تحقّق ثلاثة أهداف مشتركة جمعت النقائض والمتناقضين وهي: إفشال التجربة الجديدة، وتخويف شعوبها حتى لا تقدم على ما أقدم عليه العراقيون بالاستعانة بالأجنبي أياً كان الهدف، وإجبار شعوب المنطقة بالتالي على القبول بما هي عليه، مهما كانت الأوضاع الحالية سيّئة. والهدف الثالث، دفع أميركا الى جرّ أذيال الخيبة والانسحاب، ليس من العراق فقط، وإنما من كل المنطقة، وهو ما لن تفعله الولايات المتحدة، حتى وإن احترقت كل المنطقة طالما بقي النفط. غير أن تقريراً صدر حديثاً من مجموعة الأزمات الدولية، وهي جهة أوروبية محايدة أكثر موضوعية وعلمية وحيدة، وتجرّداً من أغراض الاحتلال والمصالح والتحالفات، ينذر دول الجوار العراقي بحصاد قد لا يكون بإمكانها الهرب من تبعات ما فعلت، أياً كان غرضها، سواء بالتورّط أو بالتزام الصمت والاكتفاء بالتفرّج.
التقرير يعتبر أن العنف العشوائي من أحد الأطراف في العراق، بات يستتبع عنفاً عشوائياً من طرف آخر. سلسلة الهجمات التي استهدفت وزارة الصحّة ومدينة الصدر يوم ٢٣ تشرين الثاني (نوفمبر) ٢٠٠٦، جاءت ردّاً على اختطاف رهائن في وزارة التعليم العالي قبل ذلك بأيام عدة، وبدورها أطلقت هذه الهجمات عمليات شنّها جيش المهدي ضد مساجد سنّيّة. الميل الخاطئ لتعريف العدو، ضمن تصنيفات اجتماعية واسعة، يظهر بوضوح في الاصطلاحات التي تستخدمها المجموعات؛ فتعبير «روافض»، الذي يعني المرتدّين الرافضين للاعتراف بالخلفاء الراشدين الأوائل، والذي استخدم في البداية من الجهاديين من أتباع أبي مصعب الزرقاوي زعيم تنظيم القاعدة، أخذ يستخدم تدريجياً من قبل جميع الأئمّة العرب السنّة، لوصف الشيعة بشكل عام. وعلى المنوال نفسه أخذ الشيعة يستخدمون بشكل متزايد تعبير النواصب (المغتصبون، أي الذين اختطفوا السلطة ممن يعتبرهم الشيعة الخلفاء الشرعيين للرسول) لوصف السنّة، باعتبارهم يرفضون أو يحتقرون سلالة الإمام الحسين. العنف يولّد نفسه أيضاً بقدر ما يدرّ من موارد مادية تحتاجها إدامة النزاع، والمعارضة المسلّحة تمارس نشاطات مدرّة للأموال لا حصر لها تشمل اختطاف الرهائن والابتزاز، مثل ابتزاز أموال مقابل ضمان عبور الشاحنات التجارية عبر مقاطعة الأنبار. الادارة الأميركية لم تدرك ذلك إلا في مرحلة متأخّرة، بعد أن كانت تصرّ على تسليط الأضواء على دور رئيس مزعوم لدعم مالي خارجي للمعارضة المسلّحة، وخصوصاً من جانب سورية وإيران. بشكل أكثر عمومية، كانت الولايات المتحدة والحكومة العراقية تميلان للنظر إلى حركات التمرّد على أساس أن جذورها تمتد إلى الخارج ـ في شبكة جهادية انتقالية أو مركز سيطرة بعثي في دمشق أو كلاهما. واقع الأمر أن لدى المجموعات المسلّحة العراقية طائفة واسعة من الموارد القابلة للتعويض بما في ذلك الأسلحة، والمقاتلين المتطوّعين والأموال. الشيء نفسه ينطبق على الميليشيات الشيعية التي تجري المبالغة في علاقاتها مع إيران واعتمادها عليها، خصوصاً من جانب السنّة. الشيعة أيضاً حاولوا تطوير درجة من الاكتفاء الذاتي، ففي البصرة على سبيل المثال، تقاسمت الميليشيات والقبائل نشاطات مولّدة للعائدات المالية، مثل تلك المتّصلة بالحركة عبر الميناء أو صناعة النفط، كما أن المستثمرين العاملين في جهود إعادة الاعمار، يقعون ضحايا بصورة منهجية لعمليات الابتزاز، وأصبحت عمليات الاختطاف مهنة بتفرّغ كامل. في وسط العراق، وفي بغداد بصورة رئيسية، يعتبر العنف ضد السنّة مورداً مالياً كبيراً، فالميليشيات يستولون دائماً على ما يجدونه مع ضحاياهم، أو يسعون لطلب أموال من عائلاتهم مقابل تسليم جثثهم.
تقسيم متجانس
وينبئ التقرير بأن تقسيم الأراضي العراقية إلى مناطق متجانسة طائفياً، مفصولة بخطوط مواجهة أمامية واقعية، كان عاملاً مساعداً أيضاً. نتيجة هذه العملية، التي تسارعت بصورة مدهشة في عام ٢٠٠٦، لم يعد هناك ما كان يعرف بالأحياء المختلطة ـ التي لم يكن ممكناً لأحد تحديد هويتها سنّيّة أو شيعية قبل الحرب ـ وحلّ محلّها بشكل أساسي مناطق موحّدة. أوضح مثال هو حالة بغداد. فالعاصمة الآن، كما يصفها سكانها، مقسّمة بوضوح بين الضفة الغربية لدجلة (الكرخ)، وهي ذات أغلبية سنّيّة، والضفة الشرقية (الرصافة) ذات الأغلبية الشيعية. مع ذلك، وكما أسلفنا أعلاه، فهناك جيوب أقليات كبيرة في الضفتين. وحول ذلك، قال صحافي عراقي له علاقة وثيقة بجيش أنصار السنّة، وهو مجموعة سنّيّة مسلّحة: «الحروب الأهليّة لا تثور فجأة بين جيران يعرفون بعضهم منذ أمد طويل. ينبغي أولاً تحقيق الفصل بين الأطراف، ثم تظهر بعد ذلك خطوط أمامية واضحة تقسم بين سكان يتبادلون الكراهية والعزلة، فهذا يتيح المجال لقتال أكثر عنفاً وتنظيماً». بعض المراقبين يحاجّون بأن هذا التقسيم الطائفي في مناطق متجانسة، ومن حيث أنه يعمل على تحديد الجغرافيا البشرية العراقية، ويقلّل من مناطق النزاع المحتملة، فإنه قد يكون السبيل نحو إرساء الاستقرار في البلاد في نهاية المطاف. هذا محض زيف. ستبقى هناك مناطق متنازع عليها لا حصر لها، وستحتاج إيجاد حلّ لها بالضرورة، درجة من العنف أكبر بكثير وأكثر وحشية بكثير مما يحدث حالياً. التوزيع الطائفي في العاصمة، إذا أردنا أن نأخذ مثالاً واحداً، ليس مستقرّاً بأي صورة من الصور، فهناك مجموعات مسلّحة متنوعة تبدو وكأنها تعدّ العدّة لمعركة طويلة للسيطرة على بغداد، وهذا ما تشير إليه حالات متعدّدة من تهجير السكان وتحدّي التركيبة الطائفية القائمة حالياً.
الحدود الطائفية
ويعتبر واضعو التقرير أن أقلّ الاحتمالات سيتمثل بقتال شديد على الحدود الطائفية الحالية. وبهذا الصدد، فإن من المحتمل أن تصبح الجيوب الكبيرة للشيعة والسنّة التي تبقى في مناطق طائفية «مضادّة»، هدفاً لغارات عنيفة ومنطلقاً لأعمال انتقامية مضادّة على حد سواء. الحالتان الأكثر حساسية هما الأعظمية ـ وهو حي بغدادي ذو أهمية حيوية للسنّة، ولكن يتصادف وقوعه على الضفة «الشيعية» ـ والكاظمية ـ وهو حي بغدادي ذو أهمية للشيعة، ولكن يتصادف وجوده على الضفة «السنّيّة». من بين المناطق الساخنة الأخرى المتنازع عليها مدينة سامرّاء، وهي مدينة تقع إلى الشمال من بغداد، وتضم مقامات شيعية مهمّة وسط منطقة سنّيّة، والتي لن يقبل الشيعة «فقدانها» في أي حال من الأحوال. أكثر من ذلك، فهناك سلسلة من المدن السنّيّة ـ تشمل اليوسفية والمحمودية والإسكندرية ـ تقع مكشوفة وهدفاً سهلاً بين بغداد من جهة، والملاذات الشيعية في النجف وكربلاء من الجهة الأخرى، فإذا ما انسحبت القوّات الأميركية، فلا يمكن استبعاد حدوث مجازر بالجملة. وإلى الشمال من بغداد، تبقى محافظة ديالي أيضاً منطقة مختلطة طائفياً، حيث تحوي مزيجاً من العرب، الشيعة والسنّة على السواء، إضافة إلى أكراد لن يكون من السهل ولا من الممكن سلمياً إيجاد حلّ لوضعهم. أخيراً، فإنه إذا ما حصل توتّر بين العرب والأكراد، فإن كركوك والمناطق المحيطة بها ستتحوّل بسرعة إلى منطقة أخرى من النزاع الوحشي. المواقف الازدواجية للنخبة العراقية هي أيضاً سبب آخر لدورة العنف، فعلى الرغم من الادانة الروتينية للطائفية، فإن كثيراً من هؤلاء يحقّقون في الواقع مكاسب كبيرة من التفاعلات الجارية أو، على أقلّ تقدير، يخاطرون كثيراً إذا وقفوا ضدها. الشيخ حارث الضاري، الإمام السنّي الذي يترأس رابطة علماء المسلمين، أدان بشكل مخفّف فقط الهجمات الانتحارية ضد أهداف مدنية أو اغتيال موظّفين مدنيين (مثل عمال المستشفيات)، رغم أن هذين الشكلين من الممارسات قد تمّت إدانتهما على نطاق واسع من قبل المعارضة المسلّحة نفسها، باستثناء الجهاديين. ومقتدى الصدر، الذي يعظ داعياً إلى الوحدة الوطنية، ويكرّر الدعوة للتعاون الشيعي ـ السنّي، يستسهل إلقاء المسؤولية عن القتل الطائفي الواسع النطاق الذي يقوم به جيش المهدي التابع له على «أفراد منشقّين».
لغة القادة
ويذهب تقرير مجموعة الأزمات الدولية الى البحث عن جذور العنف، فيستخلص أنه وقبل كل شيء، موجودة في لغة القادة السياسيين حيث كانت الظاهرة الأكثر تدميراً من أي شيء آخر. الخطاب المتطرّف كان سابقاً على تمزّق البلاد وليس العكس. إذا أردت أن تستوعب الأمر، فانظر إلى البرلمان فقط، حيث منذ البداية اتخذ كل عنصر مكانه في المجلس على أساس موقع «جماعته». إنها حرب بين الأحزاب السياسية وليست حرباً أهليّة. التعايش بين المجتمعات موجود منذ مدة طويلة، بحيث لا يمكن لعراقي أن يقتل جاره لمجرّد الحقد الطائفي فقط. هناك خلف كل الجرائم التي تحدث اليوم أهداف سياسية وأجندة حزبية. القادة السياسيون أصبحوا بصورة متزايدة غير مكترثين بمصالح البلاد، وأخذوا تدريجياً يتحوّلون إلى أمراء حرب، في حين أن العراق بحاجة ماسّة إلى قادة وطنيين. تحليل النزاع في العراق ينحو إلى تقسيمه إلى قسمين: تمرّد عربي سنّي موجّه ضد الاحتلال الأميركي من جهة، ونزاع مدني بين السنّة والشيعة من جهة أخرى. وفقاً لوجهة النظر هذه، هناك حاجة لاتخاذ خطوتين لإنهاء النزاع: انسحاب القوّات الأميركية مقرون بنوع من التفاهم بين المجموعتين الطائفيتين، سواءً كان ذلك عن طريق صفقة سياسية أو، في بعض الآراء، تقسيم جغرافي.
الأولوية العاجلة
ويشدّد التقرير على أن الانسجام الظاهري الحالي بين مجموعات التمرّد، ليس أكثر من انسجام تكتيكي وقصير المدى، ودافعه هو الأولوية العاجلة والمباشرة لقتال الاحتلال. على المدى الأبعد، وما أن تنسحب القوّات الأميركية، حتى تتبدّد هذه الوحدة السطحية من دون شك. ستصطدم رؤية الجهاديين مع وجهات نظر المقاتلين الأكثر براغماتية، الذين، مع أنهم متديّنون، إلا أنهم معنيون أكثر بمستقبل العراق من نشر الإسلام وانتصاره النهائي. الواقع أن الخلافات هي أعمق من ذلك: «فلا ما يسمّى الوطنيين ولا الجهاديين متّحدون. كلاهما يحوي تيارات مختلفة». وفي ذلك قال مثقّف عراقي له صلة قريبة بقيادة حزب البعث الجديد: «قيادات المقاومة لا توافق على أشياء كثيرة عدا عن تحرير العراق، وليس لديها أي تفهّم أو خبرة للديمقراطية، والأرجح أنهم سيتقاتلون فيما بينهم في عراقٍ محرّر». باختصار، فإن كل مجموعةٍ رئيسية يشير إليها المحلّلون غالباً عند وصف العراق، هي منقسمة بعمق وبطرق معقدة ومتعدّدة. هذه الانقسامات ستصبح على الأغلب أكثر حدّة كلما تفككت الأمّة.
التأثيرات المحتملة تتجاوز رقعة النزاع
في الوقت الذي يقترب فيه الصراع من عامه الخامس، أخذ يصبح جاذباً لتدخّل إقليمي عميق، ومصدراً لاضطرابات إقليمية كبيرة على حد سواء. من حيث المبدأ، هناك مصلحة مشتركة للبلدان المجاورة والقوى الإقليمية الأخرى في احتواء النزاع وتجنّب تأثيراته الارتدادية. بيد أن هذه البلدان التي تفصلها عن بعضها أجندات متعارضة وعدم ثقة وعدم تواصل، لم تستطع حتى الآن تنسيق استراتيجيات تحقّق تلك الغايات. الضرر الأكبر نجم عن المنافسة بين الولايات المتحدة وإيران، وقناعة طهران بأن واشنطن تسعى لإنشاء نظام إقليمي مضاد. نتيجة ذلك، وبدلاً من العمل معاً في سبيل هدف يستطيع الجميع التعامل معه (عراق موحّد ولكن ضعيف لا يشكّل تهديداً لجيرانه)، فإن كل طرف، في ما يبدو، يتّخذ إجراءاتٍ تحسّباً للنتيجة التي يخشاها الجميع ـ سقوط العراق في فوضى وتجزئة شاملة. وبزيادة الدعم لبعض اللاعبين العراقيين ضد آخرين، فإن أعمال هذه البلدان تحمل في طيّاتها نبوءةً ذاتية التحقق: خطواتٍ ستعمل على تسريع العملية ذاتها التي يزعمون أنهم يريدون تجنّبها.
تجنيد العملاء
ويمضي تقرير مجموعة الأزمات في سرد نتائج دراسة الحالة العراقية فيقول: تبيّن خلال الثلاثة أعوام ونصف الماضية، أن لكل طرف إقليمي لاعبيه المفضّلين داخل العراق، الذين يدعمهم ويشجّع نشاطاتهم. تستطيع إيران أن تجد أصدقاء متعاونين في أوساط الشيعة، وتستطيع الدول العربية إيجاد أصدقاء لها في أوساط العرب السنّة، وكذلك تركيا في أوساط التركمان. بوسع الدول المجاورة تجنيد عملاء تحريض في أي من هذه المجتمعات، بما في ذلك في أوساط الأكراد. أما إيران التي لها حدود طويلة مع العراق ومصالح استراتيجية وموجودات هائلة، فإنها تستطيع، إذا ما شعرت أن مصالحها معرّضة للخطر، أن تفعل أكثر بكثير مما فعلته حتى الآن في دعم حلفائها داخل العراق، والكثير من الأذى للقوّات الأميركية. سورية، بالمثل، وهي رأسُ نبع متدفق من المتمرّدين عبر وادي الفرات، على الأقل سابقاً، تستطيع توسيع فتحة التدفق أكثر بكثير مما يبدو أنها فعلت حتى الآن. وتستطيع تركيا التصدّي للتحرّكات الكردية حول كركوك، برعاية نشاط مسلّح في أوساط المجتمعات المعادية للخطط التوسعية الكردية. دول الخليج، وهي تخشى هيمنة إيرانية على منطقة جنوب العراق الغنيّة بالنفط، تستطيع عرض دعم مباشر على المتمرّدين السنّة، المصمّمين على قتال إيران ومن يشتبه به من عملائها في العراق، وبذلك يسهمون في تصعيد الحرب الأهليّة. إذا تطوّر النزاع إقليمياً وفقاً لهذه التصوّرات، فإن الكتل الثلاث المزعومة ـ الأكراد والعرب السنّة والشيعة ـ ستنقسم، على الأرجح، إلى عدد من المجموعات الفرعية المتعارضة، وكل مجموعة تتلقى الدعم من راعيها الإقليمي.
نقل التجربة
على المستوى العملي، أدّت الحرب إلى زيادة كبيرة في أعداد اللاجئين العراقيين، الذين يجلبون معهم غالباً الجرائم، وعنف العصابات والقتال الجهادي بطبيعة الحال، وكل ذلك يثقل كاهل أجهزة الأمن في الدول المضيفة. عواقب توسّع النزاع إقليمياً قد تكون كارثيّة. فإن النتيجة، من حيث الخسائر البشرية وتدفّق اللاجئين والدمار الاقتصادي، ستكون هائلة، مقارنة بما جرى حتى الآن. ورغم أنه يتم عادة إجراء مقارنات مع الحرب الأهليّة اللبنانية، فإن الاحتمالات الممكنة للزعزعة الإقليمية، هي من عيار مختلف تماماً، في ضوء الأبعاد الدولية للنزاع والصلة بالصراع الأميركي ـ الإيراني، والأهمية الاستراتيجية للعراق، ووجود النفط والمناخ الملتهب أصلاً في فلسطين ولبنان وأماكن أخرى.
نزاع عربي ـ فارسي
ويحذّر التقرير من أن أحد أكثر الاحتمالات خطورة، هو تجدد النزاع على جانبي تقسيم عربي ـ إيراني. النفوذ الإيراني المتنامي في العراق، مقروناً ببرنامجها النووي، وأداء حزب الله في الحرب اللبنانية الأخيرة، ضخّم حالة الاحساس بالخطر في البلدان العربية بشكل عام والخليج بشكل خاص، إلى درجة خطرة وغير متناسبة. هذا الادراك يؤدّي، بدوره، إلى جعلهم يتبنّون سياسات يُنظر إليها في طهران باعتبارها عدائيةً جداً. والاقتراحات الأميركية ـ الإسرائيلية، بتحالف محتمل مع الدول العربية السنّيّة ضد إيران، تزيد هذه التفاعلات اشتعالاً. وكلمّا تطوّر هذا الوضع، كلما أصبح العراق مسرحاً لحروب مهلكة نيابة عن الآخرين. إذا حدث ذلك، فإن الولايات المتحدة ستخوض معركة صعبة ولا يمكن التنبؤ بنتائجها. وكما أظهرت السنوات القليلة الماضية، فستكون معركة تخوضها طهران باستعداد وإمكانيات كبيرة، في ضوء تمتّعها بمعرفة عميقة بالعراق، وترسيخ أقدامها يومياً في العراق، مقابل زعزعة الوجود الأميركي يومياً، وامتلاكها نقاط ضغط عديدة في سائر أنحاء المنطقة.
إعادة بناء
ويستخلص التقرير أهمية وحيوية إعادة بناء الدولة العراقية الجديدة، من خلال الحاجة إلى ميثاق سياسي جديد. لا تستطيع العملية السياسية الحالية توليد التنازلات الضرورية، لإعادة الاستقرار للبلد، وإعادة بناء المؤسّسات البالية، والتي يعشش فيها الفساد، ولم تعد اليوم قادرة على توفير الأمن أو تأمين السلع والخدمات. الواجهة الرئيسية لهذه السياسة، مراجعة الدستور، مخيّبة للآمال: أعضاء لجنة المراجعة لا يستطيعون أن يفعلوا شيئاً تقريباً، سوى تبديد الوقت في مراجعة نصٍ كان له دور كبير في الاستقطابات في المجتمع. هناك سببان لذلك، النخبة الحاكمة في العراق لم تظهر أي إشارة الى أنها تقدّر مدى الحاجة لتنازلات حقيقية، وبدلاً من ذلك، تستخدم كل مجموعة العملية الدستورية لخدمة مصالحها الخاصّة، قبل أي مصلحة وطنية.