المشعبك
12-03-2007, 11:36 AM
قال الإمام الذهبي في كتابه العظيم "تاريخ الإسلام" في ترجمة الإمام البخاري:
هو محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبه؛ الإمام العَلَم أبو عبد الله ، الجعفي مولاهم ، البخاري صاحب "الصحيح" والتصانيف. وُلد في شوال سنة أربع وتسعين ومائة (194هـ). وأول سماعه كانت في سنة خمسٍ ومائتين.
وحفظ تصانيف ابن المبارك وحُبِّبَ إليه العلمُ من الصغر ، وأعانه عليه ذكاؤه المفرط.
وقد تربى الإمام البخاري في كنف والدته –رحمها الله تعالى-، حيث نشأ يتيماً وكان أبوه من العلماء الورعين.
وقال الإمام البخاري عن والده: سمع أبي من مالك بن أنس ورأى حماد بن زيد وصافح ابن المبارك.
وقال أحمد بن حفص عن والد الإمام البخاري: دخلت على أبي الحسن إسماعيل بن إبراهيم عند موته فقال: "لا أعلم في جميع مالي درهما من شبهة"! قال أحمد: فتصاغرت إلي نفسي عند ذلك.
[بعض شيوخه]
ورحل الإمام البخاري في طلب العلم سنة عشرة ومائتين بعد أن سمع الكثير ببلده من سادة وقته : محمد بن سلام البيكندي ومحمد بن يوسف البيكندي وعبد الله بن محمد المسندي ومحمد بن غرير وهارون بن الأشعث وطائفة ...
وسمع ببلخ من : مكي بن إبراهيم ويحيى بن بشر الزاهد وقتيبة وجماعة ... وكان مكي أحد من حَدَّثَه عن ثقات التابعين. وسمع بـ"مرو" مِنْ : علي بن الحسن بن شقيق وعبدان ومعاذ بن أسد وصدقة بن الفضل وجماعة ... وسمع بنيسابور من : يحيى بن يحيى وبشر بن الحكم وإسحاق وعدة ... وبـ"الري" من : إبراهيم بن موسى الحافظ وغيره ... وببغداد من : محمد بن عيسى الطباع وسريج بن النعمان وعفان ومعاوية بن عمرو الأزدي وطائفة ... وقال : "دخلت على معلى بن منصور ببغداد سنة عشر...". وسمع بالبصرة من : أبي عاصم النبيل وبدل بن المحبر ومحمد بن عبد الله الأنصاري وعبد الرحمن بن حماد الشعيثي وعمرو بن عاصم الكلابي وعبد الله بن رجاء الغداني وطبقتهم ... وبالكوفة من : عبيد الله بن موسى وأبي نعيم وطلق بن غنام والحسن بن عطية وهما أقدم شيوخه موتا ؛ وخلاد بن يحيى وخالد بن مخلد وفروة بن أبي المغراء وقبيصة وطبقتهم ... وبمكة من : أبي عبد الرحمن المرئ والحميدي وأحمد بن محمد الأزرقي وجماعة ... وبالمدينة من : عبد العزيز الأويسي ومطرف بن عبد الله وأبي ثابت محمد بن عبيد الله وطائفة ... وبواسط من : عمرو بن عون وغيره ... وبمصر من : سعيد بن أبي مريم وعبد الله بن صالح الكاتب وسعيد بن تليد وعمرو بن الربيع بن طارق وطبقتهم وبدمشق من أبي مسهر شيئا يسيرا ؛ ومن أبي النضر الفراديسي وجماعة ... وبقيسارية من : محمد بن يوسف الفريابي وبعسقلان : من آدم بن أبي إياس وبحمص من : أبي المغيرة وأبي اليمان وعلي بن عياش وأحمد بن خالد الوهبي ويحيى الوحاظي ...
وذكر أنه سمع من ألف نفس !!
[بعض تلاميذه ومن رووا عنه]
وحدث بالحجاز والعراق وخراسان وما وراء النهر . وكتبوا عنه وما في وجهه شعرة!
روى عنه الأئمة أبو زرعة وأبو حاتم قديماً، وروى عنه الإمام مسلم في غير "الصحيح" والإمام محمد بن نصر المروزي الفقيه وصالح بن محمد جزرة الحافظ وأبو بكر بن أبي عاصم ومطين وأبو العباس السراج وأبو بكر بن خزيمة وأبو قريش محمد بن جمعة ويحيى بن محمد بن صاعد وإبراهيم بن معقل النسفي ومهيب بن سليم وسهل بن شاذويه ومحمد بن يوسف الفربري ومحمد بن أحمد بن دلويه وعبد الله بن محمد الأشقر ومحمد بن هارون الحضرمي والحسين بن إسماعيل المحاملي وأبو علي الحسن بن محمد الداركي وأحمد بن حمدون الأعمش وأبو بكر بن أبي داود ومحمود بن عنبر النسفي ومطين وجعفر بن محمد بن الحسن الجروي وأبو حامد بن الشرقي وأخوه أبو محمد عبد الله ومحمد بن سليمان بن فارس ومحمد بن المسيب الأرغياني ومحمد بن هارون الروياني وخلق ...
وآخر من روى عنه "الجامع الصحيح": منصور بن محمد البزدوي المتوفى سنة تسع وعشرين وثلاثمائة.
وآخر من زعم أنه سمع من البخاري موتا (يعني آخر من مات من تلاميذ البخاري) أبو ظهير عبد الله بن فارس البلخي المتوفى سنة ست وأربعين وثلاثمائة.
وآخر من روى حديثه عالياً : خطيب الموصل في الدعاء للمحاملي ؛ بينه وبينه ثلاثة رجال.
أعظم مصنفاته:
وأما جامعه الصحيح فأجل كتب الإسلام وأفضلها بعد كتاب الله تعالى! وهو أعلى شيء في وقتنا إسناداً للناس. ومن ثلاثين سنة يفرحون بعلو سماعه فكيف اليوم؟! فلو رحل الشخص لسماعه من مسيرة ألف فرسخ لما ضاعت رحلته. وأنا أدري أن طائفة من الكبار يستقلون عقلي في هذا القول ولكن:
ما يعرف الشوق إلا من يكابده ... ولا الصبابة إلا من يعانيها
و"من جهل شيئا عاداه" ولا قوة إلا بالله.
فـصـل
نقل ابن عدي وغيره أن مغيرة بن بردزبه المجوسي جدّ البخاري أسلم على يد والي بخارى "يمان الجعفي" جدّ المحدث عبد الله بن محمد بن جعفر بن يمان الجعفي المسندي . فولاؤه للجعفيين بهذا الاعتبار.
وقال ابن عدي : سمعت الحسن بن الحسين البزاز يقول : رأيت البخاري شيخا نحيفا ليس بالطويل ولا بالقصير . عاش اثنتين وستين إلا ثلاثة عشر يوما
وقال أحمد بن الفضل البلخي : ذهبت عينا محمد في صغره فرأت أمه إبراهيم عليه السلام فقال : يا هذه قد رد الله على ابنك بصره بكثرة بكائك أو دعائك
فأصبح وقد رد الله عليه بصره.
وعن جبريل بن ميكائيل : سمعت البخاري يقول : لما بلغت خراسان أصبت ببصري فعلمني رجل أن أحلق رأسي وأغلفه بالخطمي ففعلت فرد الله علي بصري . رواها غنجار في تاريخه.
وقال أبو جعفر محمد بن أبي حاتم الوراق : قلت للبخاري : كيف كان بُدُوّ أمرك؟ قال : أُلْهِمْتُ حفظ الحديث في المكتب ولي عشر سنين أو أقل، وخرجت من الكتاب بعد العشر فجعلت أختلف إلى الداخلي وغيره فقال يوماً فيما يقرأ على الناس: سفيان عن أبي الزبير عن إبراهيم . فقلت له إن أبا الزبير لم يرو عن إبراهيم. فانتهرني فقلت له : اِرجع إلى الأصل! فدخل ثم خرج فقال لي: كيف هو يا غلام؟ قلت: هو الزبير بن عدي عن إبراهيم! فأخذ القلم مني وأصلحه وقال: صدقت!
فقال للبخاري بعض أصحابه : ابنُ كَم كُنت؟ قال: "ابن إحدى عشر سنةً! فلما طعنت في ست عشرة سنة حَفِظْتُ كُتُب ابن المبارك ووكيع، وعرفتُ كلام هؤلاء. ثم خرجتُ مع أبي وأخي أحمد إلى مكة، فلما حججت رجع أخي بها وتخلفت في طلب الحديث. فلما طعنت في ثمان عشرة جعلت أصنف قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم وذلك أيام عبيد الله بن موسى. وصنفت كتاب "التاريخ" إذ ذاك عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم في الليالي المقمرة. وقَلَّ اسمٌ في "التاريخ" إلا وله عندي قصة، إلا أني كرهت تطويل الكتاب".
وقال عمرو بن حفص الأشقر : كنا مع البخاري بالبصرة نكتب الحديث ففقدناه أياماً ثم وجدناه في بيت وهو عريان وقد نفذ ما عنده. فجمعنا له الدراهم وكسوناه.
وقال عبد الرحمن " بن محمد البخاري " : سمعت محمد بن إسماعيل يقول : لقيت أكثر من ألف رجلٍ (من أهل الحديث) من أهل الحجاز والعراق والشام ومصر وخراسان إلى أن قال : فما رأيت واحداً منهم يختلف في هذه الأشياء: "إن الدين قول وعمل وأن القرآن كلام الله"!
وقال محمد بن أبي حاتم : سمعته يقول : دخلت إصبهان مرات كل ذلك أجالس أحمد بن حنبل فقال لي آخر ما ودّعته : يا أبا عبد الله تترك العلم والناس وتصير إلى خراسان؟! فأنا الآن أذكر قول أحمد!
وقال أبو بكر الأعين : كتبت عن البخاري على باب محمد بن يوسف الفريابي وما في وجهه شعرة!
[من شهادة العلماء للإمام البخاري]
وقال محمد بن أبي حاتم وراق البخاري : سمعت حاشد بن إسماعيل وآخر يقولان : كان البخاري يختلف معنا إلى السماع وهو غلام فلا يكتب حتى أتى على ذلك أيام، فكنا نقول له، فقال : إنكما قد أكثرتما علي فاعرضا علي ما كتبتما. فأخرجنا إليه ما كان عندنا فزاد على خمسة عشر ألف حديث فقرأها كلها عن ظهر قلب حتى جعلنا نحكم كتبنا من حفظه! ثم قال : أترون إني أختلف هدرا وأضيع أيامي؟! فعرفنا أنه لا يتقدمه أحد
قالا : فكان أهل المعرفة يعدون خلفه في طلب الحديث وهو شاب حتى يغلبوه على نفسه ويجلسوه في بعض الطريق فيجتمع عليه ألوف أكثرهم ممن يكتب عنه وكان شاب لم يخرج وجهه!
وقال محمد بن أبي حاتم : وسمعت سليم بن مجاهد يقول : كنت عند محمد بن سلام البيكندي فقال لي: لو جئتَ قبلُ لرأيت صبياً يحفظ سبعين ألف حديث!
قال: فخرجت في طلبه وتلقّيته فقلت: أنت الذي تقول: أنا أحفظ سبعين ألف حديث؟ قال: "نعم وأكثر ولا أجيئك بحديث عن الصحابة والتابعين إلا عرفت مولد أكثرهم ووفاتهم ومساكنهم! ولست أروي حديثاً من حديث الصحابة أو التابعين إلا ولي في ذلك أصل أحفظه حفظاً عن كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم".
وقال محمد بن حمدون بن رستم : سمعت مسلم بن الحجاج يقول للبخاري : "دعني أقبل رجليك يا أستاذ الأستاذين وسيد المحدثين وطبيب الحديث في علله".
وقال الترمذي : "لم أر أحداً بالعراق ولا بخراسان في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد أعلم من محمد بن إسماعيل".
وقال إسحاق بن أحمد الفارسي: سمعت أبا حاتم يقول سنة سبع وأربعين ومائتين: محمد بن إسماعيل أعلم مَنْ دخل العراق! ومحمد بن يحيى أعلم مَن بخراسان اليوم ومحمد بن أسلم أورعهم وعبد الله الدارمي أثبتهم".
وعن أحمد بن حنبل قال: "انتهى الحفظ إلى أربعة من أهل خراسان : أبو زرعة ومحمد بن إسماعيل والدارمي والحسن بن شجاع البلخي".
وقال أبو أحمد الحاكم : كان البخاري أحد الأئمة في معرفة الحديث وجمعه. ولو قلت أني لم أر تصنيف أحد يشبه تصنيفه في المبالغة والحسن لرجوت أن أكون صادقاً".
قال محمد بن يوسف البخاري قال: كنت عند محمد بن إسماعيل بمنزله ذات ليلة فأحصيت عليه أنه قام وأسرج يستذكر أشياء يعلقها في ليلة ثمان عشرة مرة!
وقال محمد بن أبي حاتم الوراق : كان أبو عبد الله إذا كنت معه في سفر يجمعنا بيتٌ واحد إلا في القيظ أحياناً. فكنت أراه يقوم في ليلة واحدة خمس عشرة مرة إلى عشرين مرة في كل ذلك يأخذ القداحة فيوري ناراً ويُسرج ثم يُخرِج أحاديث فيُعلم عليها ثم يضع رأسه. وكان يصلي وقت السحر ثلاث عشرة ركعة. وكان لا يوقظني في كل ما يقوم، فقلت له: إنك تحمل على نفسك في كل هذا ولا توقظني؟! قال : أنت شاب ولا أحب أن أفسد عليك نومك".
وقال الفِرَبْرِي: قال لي محمد بن إسماعيل ما وضعت في " الصحيح حديثاً إلا اغتسلت قبل ذلك وصليت ركعتين". يعني ما جلس ليضع في تصنيفه شيئا إلا وفعل ذلك لا أنه يفعل ذلك لكل حديث.
وقال إبراهيم بن معقل: سمعت أبا عبد الله يقول: "كنت عند إسحاق بن راهويه، فقال: لو جمعتم كتاباً مختصراً للسنن! فوقع ذلك في قلبي فأخذتُ في جمع هذا الكتاب".
وعن البخاري قال: "أخرجتُ هذا الكتاب من نحو ستمائة ألف حديث وصنفته ست عشرة سنة، وجعلته حجة فيما بيني وبين الله، رويت من وجهين ثابتين عنه".
وقال إبراهيم بن معقل : سمعته يقول : ما أدخلت في الجامع إلا ما صح وتركت من الصحاح لأجل الطول".
وقال محمد بن أبي حاتم : قلت لأبي عبد الله : تحفظ جميع ما في المصنف؟ قال : لا يخفى علي جميع ما فيه ولو نشر بعض أساتذي هؤلاء لم يفهموا كتاب التاريخ ولا عرفوه! ثم قال : صنفته ثلاث مرات.
وقد أخذه ابن راهويه فأدخله على عبد الله بن طاهر فقال : أيها الأمير ألا أريك سحراً. فنظر فيه عبد الله فتعجب منه وقال: لست أفهم تصنيفه!
وقال الفربري: حدثني نجم بن الفضل وكان من أهل الفهم قال: "رأيت النبي صلى الله عليه و سلم في النوم خرج من قرية ومحمد بن إسماعيل خلفه فإذا خطا خطوة يخطو محمد ويضع قدمه على قدمه ويتبع أثره".
وقال خلف الخيام: سمعت أبا عمرو بن نصر الخفاف يقول: محمد بن إسماعيل أعلم في الحديث من أحمد وإسحاق بعشرين درجة ومن قال فيه شيء فمني عليه ألف لعنة، ولو دخل من هذا الباب لملئت منه رعباً.
وقال أبو عيسى الترمذي : كان محمد بن إسماعيل عند عبد الله بن منير فلما قام من عنده قال له : "يا أبا عبد الله جعلك الله زين هذه الأمة". قال أبو عيسى: استجيب له فيه.
وقال جعفر بن محمد المستغفري في "تاريخ نسف" وذكر البخاري: لو جاز لي لفضّلته على من لقي من مشايخه ولقلت: ما رأى بعينه مثل نفسه! دخل نسفَ سنة ست وخمسين وحدث بها بجامعه الصحيح وخرج إلى سمرقند لعشر بقين من رمضان ومات بقرية خرتنك ليلة الفطر".
وقال الحاكم: "أول ما ورد البخاري نيسابور سنة تسع ومائتين ووردها في الأخير سنة خمسين ومائتين فأقام بها خمس سنين يحدث على الدوام".
قال محمد بن أبي حاتم: بلغني أن أبا عبد الله شرب البلاذر للحفظ فقلت له : هل من دواء يشربه الرجل للحفظ فقال: لا أعلم . ثم أقبل علي وقال: لا أعلم شيئاً أنفع لحفظ من نهمة الرجل ومداومة النظر، وذلك أني كنت بنيسابور مقيماً فكان يرد إلي من بخارى كتبٌ وكُنَّ قراباتٍ لي يقرئن سلامهن في الكتب فكنت أكتب إلى بخارى وأردت أن أقرئهن سلامي فذهب علي أساميهن حين كتبت كتابي ولم أقرئهن سلامي! وما أقل ما يذهب عني في العلم". يعني: ما أقل ما يذهب عنه من العلم لمداومة النظر والاشتغال وهذه قراباته قد نسي أسماءهن! وغالب الناس بخلاف ذلك؛ فتراهم يحفظون أسماء أقاربهم ومعارفهم ولا يحفظون إلا اليسير من العلم!
قال محمد بن أبي حاتم : وسمعته يقول: لم يكن كتابي للحديث كما يكتب هؤلاء، كنتُ إذا كتبتُ عن رجل سألته عن اسمه وكنيته ونسبه وعلة الحديث إن كان فهِماً فإن لم يكن فهِماً سألته أن يخرج إلى أصله ونسخته . فأما الآخرون فإنهم لا يبالون ما يكتبون وكيف يكتبون.
وسمعت العباس الدوري يقول : ما رأيت أحداً يحسن طلب الحديث مثل محمد بن إسماعيل . كان لا يدع أصلاً أو فرعاً إلا قلعه! ثم قال لنا عباس : لا تدعوا شيئاً من كلامه إلا كتبتموه!
سمعت إبراهيم الخواص مستملي صدقة يقول : رأيت أبا زرعة كالصبي جالساً بين يدي محمد بن إسماعيل يسأله عن علل الحديث.
فصل في ذكائه وسعة علمه
قال جعفر بن محمد القطان إمام كرمينية فيما رواه عنه مهيب بن سليم أنه سمع محمد بن إسماعيل يقول : "كتبت عن ألف شيخ أو أكثر عن كل واحد منهم عشرة آلاف وأكثر! ما عندي حديثٌ إلا أذكر إسناده"!
وقال محمد بن أبي حاتم : قرأ علينا أبو عبد الله كتاب الهبة فقال : ليس في هبة وكيع إلا حديثان مسندان أو ثلاثة وفي كتاب عبد الله بن المبارك خمسة أو نحوها وفي كتابي هذا خمسمائة حديث أو أكثر.
وسمعت أبا عبد الله يقول: ما قدمت على أحد إلا كان انتفاعه بي أكثر من انتفاعي به.
قال محمد بن أبي حاتم : سمعت سليم بن مجاهد يقول : سمعت أبا الأزهر يقول : "كان بسمرقند أربعمائة ممن يطلبون الحديث فاجتمعوا سبعة أيام وأحبوا مغالطة محمد بن إسماعيل فأدخلوا إسناد الشام في إسناد العراق وإسناد اليمن في إسناد الحرمين فما تعلقوا منه بسقطة لا في الإسناد ولا في المتن!!".
وقد ذكرت حكاية البغداديين في مثل هذا.
وقال الفربري : سمعت أبا عبد الله يقول: "ما استصغرت نفسي عند أحد إلا عند علي بن المديني وربما كنت أغرب عليه".
وقال محمد بن أبي حاتم : سمعت أبا عبد الله يقول : "ما نمت البارحة حتى عددت كم أدخلت في مصنفاتي من الحديث فإذا نحو مائتي ألف حديث مسندة".
وسمعته يقول: ما كتبت حكاية قط كنت أتحفظها. وسمعته يقول: لا أعلم شيئاً يُحتاج إليه إلا وهو في الكتاب والسنة". فقلت له: يمكن معرفة ذلك كله؟ قال: نعم!
وسمعته يقول : كنت في مجلس الفريابي فقال: ثنا سفيان عن أبي عروة عن أبي الخطاب عن أنس: "أن النبي صلى الله عليه و سلم كان يطوف على نسائه في غسل واحد"، فلم يعرف أحد في المجالس أبا عروة ولا أبا الخطاب، قال : أما أبو عروة فمعمر وأبو الخطاب قتادة. قال: وكان الثوري فعولاً لهذا يكني المشهورين.
قال محمد بن أبي حاتم : قدم رجاءٌ الحافظ فقال لأبي عبد الله : ما أعددت لقدومي حيث بلغك وفي أي شيء نظرت؟ قال: "ما أحدثت نظراً ولم أستعد لذلك فإن أحببت أن تسألني عن شيء فافعل". فجعل يناظره في أشياء فبقي رجاء لا يدري، ثم قال له أبو عبد الله : هل لك في الزيادة فقال استحياءً وخجلاً منه: نعم،
قال: سل إن شئت، فأخذ في أسامي أيوب فعدّ نحواً من ثلاثة عشر وأبو عبد الله ساكت فظن رجاء أن قد صنع شيئاً فقال: يا أبا عبد الله فاتك خير كثير،
فزيّف عبد الله في أولئك سبعا وأغرب عليه نحو أكثر من ستين رجلاً، ثم قال له رجاء : كم رويت في العمامة السوداء قال: هاتِ كم رويت أنت؟ قال البخاري: نروي نحواً من أربعين حديثاً، فخجل رجاء ويبس ريقه.
وسمعت أبا عبد الله يقول: دخلت بلخ فسألوني أن أملي عليهم لكل من كتبت عنه فأمليت ألف حديث عن ألف شيخ.
وقال ابن أبي حاتم وراق أبي عبد الله : قال أبو عبد الله : سئل إسحاق بن إبراهيم عمن طلّق ناسياً فسكت . فقلت : قال النبي صلى الله عليه و سلم : "إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل به أو تكلم" . وإنما يراد مباشرة هذه الثلاث : العمل والقلب أو الكلام والقلب وهذا لم يعتقد بقلبه، فقال إسحاق : قويتني . وأفتى به.
قال : وسمعت أبا عبد الله البخاري يقول : "ما جلست للحديث حتى عرفت الصحيح من السقيم وحتى نظرت في عامة كتب الرأي وحتى دخلت البصرة خمس مرات أو نحوها فما تركت بها حديثا صحيحا إلا كتبته إلا ما لم يظهر لي".
وسمعت بعض أصحابي يقول : كنت عند محمد بن سلام البيكندي فدخل محمد بن إسماعيل فلما خرج قال محمد بن سلام : كلما دخل علي هذا الصبي تحيرت والتبس علي أمر الحديث ولا أزال خائفاً منه ما لم يخرج".
هو محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبه؛ الإمام العَلَم أبو عبد الله ، الجعفي مولاهم ، البخاري صاحب "الصحيح" والتصانيف. وُلد في شوال سنة أربع وتسعين ومائة (194هـ). وأول سماعه كانت في سنة خمسٍ ومائتين.
وحفظ تصانيف ابن المبارك وحُبِّبَ إليه العلمُ من الصغر ، وأعانه عليه ذكاؤه المفرط.
وقد تربى الإمام البخاري في كنف والدته –رحمها الله تعالى-، حيث نشأ يتيماً وكان أبوه من العلماء الورعين.
وقال الإمام البخاري عن والده: سمع أبي من مالك بن أنس ورأى حماد بن زيد وصافح ابن المبارك.
وقال أحمد بن حفص عن والد الإمام البخاري: دخلت على أبي الحسن إسماعيل بن إبراهيم عند موته فقال: "لا أعلم في جميع مالي درهما من شبهة"! قال أحمد: فتصاغرت إلي نفسي عند ذلك.
[بعض شيوخه]
ورحل الإمام البخاري في طلب العلم سنة عشرة ومائتين بعد أن سمع الكثير ببلده من سادة وقته : محمد بن سلام البيكندي ومحمد بن يوسف البيكندي وعبد الله بن محمد المسندي ومحمد بن غرير وهارون بن الأشعث وطائفة ...
وسمع ببلخ من : مكي بن إبراهيم ويحيى بن بشر الزاهد وقتيبة وجماعة ... وكان مكي أحد من حَدَّثَه عن ثقات التابعين. وسمع بـ"مرو" مِنْ : علي بن الحسن بن شقيق وعبدان ومعاذ بن أسد وصدقة بن الفضل وجماعة ... وسمع بنيسابور من : يحيى بن يحيى وبشر بن الحكم وإسحاق وعدة ... وبـ"الري" من : إبراهيم بن موسى الحافظ وغيره ... وببغداد من : محمد بن عيسى الطباع وسريج بن النعمان وعفان ومعاوية بن عمرو الأزدي وطائفة ... وقال : "دخلت على معلى بن منصور ببغداد سنة عشر...". وسمع بالبصرة من : أبي عاصم النبيل وبدل بن المحبر ومحمد بن عبد الله الأنصاري وعبد الرحمن بن حماد الشعيثي وعمرو بن عاصم الكلابي وعبد الله بن رجاء الغداني وطبقتهم ... وبالكوفة من : عبيد الله بن موسى وأبي نعيم وطلق بن غنام والحسن بن عطية وهما أقدم شيوخه موتا ؛ وخلاد بن يحيى وخالد بن مخلد وفروة بن أبي المغراء وقبيصة وطبقتهم ... وبمكة من : أبي عبد الرحمن المرئ والحميدي وأحمد بن محمد الأزرقي وجماعة ... وبالمدينة من : عبد العزيز الأويسي ومطرف بن عبد الله وأبي ثابت محمد بن عبيد الله وطائفة ... وبواسط من : عمرو بن عون وغيره ... وبمصر من : سعيد بن أبي مريم وعبد الله بن صالح الكاتب وسعيد بن تليد وعمرو بن الربيع بن طارق وطبقتهم وبدمشق من أبي مسهر شيئا يسيرا ؛ ومن أبي النضر الفراديسي وجماعة ... وبقيسارية من : محمد بن يوسف الفريابي وبعسقلان : من آدم بن أبي إياس وبحمص من : أبي المغيرة وأبي اليمان وعلي بن عياش وأحمد بن خالد الوهبي ويحيى الوحاظي ...
وذكر أنه سمع من ألف نفس !!
[بعض تلاميذه ومن رووا عنه]
وحدث بالحجاز والعراق وخراسان وما وراء النهر . وكتبوا عنه وما في وجهه شعرة!
روى عنه الأئمة أبو زرعة وأبو حاتم قديماً، وروى عنه الإمام مسلم في غير "الصحيح" والإمام محمد بن نصر المروزي الفقيه وصالح بن محمد جزرة الحافظ وأبو بكر بن أبي عاصم ومطين وأبو العباس السراج وأبو بكر بن خزيمة وأبو قريش محمد بن جمعة ويحيى بن محمد بن صاعد وإبراهيم بن معقل النسفي ومهيب بن سليم وسهل بن شاذويه ومحمد بن يوسف الفربري ومحمد بن أحمد بن دلويه وعبد الله بن محمد الأشقر ومحمد بن هارون الحضرمي والحسين بن إسماعيل المحاملي وأبو علي الحسن بن محمد الداركي وأحمد بن حمدون الأعمش وأبو بكر بن أبي داود ومحمود بن عنبر النسفي ومطين وجعفر بن محمد بن الحسن الجروي وأبو حامد بن الشرقي وأخوه أبو محمد عبد الله ومحمد بن سليمان بن فارس ومحمد بن المسيب الأرغياني ومحمد بن هارون الروياني وخلق ...
وآخر من روى عنه "الجامع الصحيح": منصور بن محمد البزدوي المتوفى سنة تسع وعشرين وثلاثمائة.
وآخر من زعم أنه سمع من البخاري موتا (يعني آخر من مات من تلاميذ البخاري) أبو ظهير عبد الله بن فارس البلخي المتوفى سنة ست وأربعين وثلاثمائة.
وآخر من روى حديثه عالياً : خطيب الموصل في الدعاء للمحاملي ؛ بينه وبينه ثلاثة رجال.
أعظم مصنفاته:
وأما جامعه الصحيح فأجل كتب الإسلام وأفضلها بعد كتاب الله تعالى! وهو أعلى شيء في وقتنا إسناداً للناس. ومن ثلاثين سنة يفرحون بعلو سماعه فكيف اليوم؟! فلو رحل الشخص لسماعه من مسيرة ألف فرسخ لما ضاعت رحلته. وأنا أدري أن طائفة من الكبار يستقلون عقلي في هذا القول ولكن:
ما يعرف الشوق إلا من يكابده ... ولا الصبابة إلا من يعانيها
و"من جهل شيئا عاداه" ولا قوة إلا بالله.
فـصـل
نقل ابن عدي وغيره أن مغيرة بن بردزبه المجوسي جدّ البخاري أسلم على يد والي بخارى "يمان الجعفي" جدّ المحدث عبد الله بن محمد بن جعفر بن يمان الجعفي المسندي . فولاؤه للجعفيين بهذا الاعتبار.
وقال ابن عدي : سمعت الحسن بن الحسين البزاز يقول : رأيت البخاري شيخا نحيفا ليس بالطويل ولا بالقصير . عاش اثنتين وستين إلا ثلاثة عشر يوما
وقال أحمد بن الفضل البلخي : ذهبت عينا محمد في صغره فرأت أمه إبراهيم عليه السلام فقال : يا هذه قد رد الله على ابنك بصره بكثرة بكائك أو دعائك
فأصبح وقد رد الله عليه بصره.
وعن جبريل بن ميكائيل : سمعت البخاري يقول : لما بلغت خراسان أصبت ببصري فعلمني رجل أن أحلق رأسي وأغلفه بالخطمي ففعلت فرد الله علي بصري . رواها غنجار في تاريخه.
وقال أبو جعفر محمد بن أبي حاتم الوراق : قلت للبخاري : كيف كان بُدُوّ أمرك؟ قال : أُلْهِمْتُ حفظ الحديث في المكتب ولي عشر سنين أو أقل، وخرجت من الكتاب بعد العشر فجعلت أختلف إلى الداخلي وغيره فقال يوماً فيما يقرأ على الناس: سفيان عن أبي الزبير عن إبراهيم . فقلت له إن أبا الزبير لم يرو عن إبراهيم. فانتهرني فقلت له : اِرجع إلى الأصل! فدخل ثم خرج فقال لي: كيف هو يا غلام؟ قلت: هو الزبير بن عدي عن إبراهيم! فأخذ القلم مني وأصلحه وقال: صدقت!
فقال للبخاري بعض أصحابه : ابنُ كَم كُنت؟ قال: "ابن إحدى عشر سنةً! فلما طعنت في ست عشرة سنة حَفِظْتُ كُتُب ابن المبارك ووكيع، وعرفتُ كلام هؤلاء. ثم خرجتُ مع أبي وأخي أحمد إلى مكة، فلما حججت رجع أخي بها وتخلفت في طلب الحديث. فلما طعنت في ثمان عشرة جعلت أصنف قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم وذلك أيام عبيد الله بن موسى. وصنفت كتاب "التاريخ" إذ ذاك عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم في الليالي المقمرة. وقَلَّ اسمٌ في "التاريخ" إلا وله عندي قصة، إلا أني كرهت تطويل الكتاب".
وقال عمرو بن حفص الأشقر : كنا مع البخاري بالبصرة نكتب الحديث ففقدناه أياماً ثم وجدناه في بيت وهو عريان وقد نفذ ما عنده. فجمعنا له الدراهم وكسوناه.
وقال عبد الرحمن " بن محمد البخاري " : سمعت محمد بن إسماعيل يقول : لقيت أكثر من ألف رجلٍ (من أهل الحديث) من أهل الحجاز والعراق والشام ومصر وخراسان إلى أن قال : فما رأيت واحداً منهم يختلف في هذه الأشياء: "إن الدين قول وعمل وأن القرآن كلام الله"!
وقال محمد بن أبي حاتم : سمعته يقول : دخلت إصبهان مرات كل ذلك أجالس أحمد بن حنبل فقال لي آخر ما ودّعته : يا أبا عبد الله تترك العلم والناس وتصير إلى خراسان؟! فأنا الآن أذكر قول أحمد!
وقال أبو بكر الأعين : كتبت عن البخاري على باب محمد بن يوسف الفريابي وما في وجهه شعرة!
[من شهادة العلماء للإمام البخاري]
وقال محمد بن أبي حاتم وراق البخاري : سمعت حاشد بن إسماعيل وآخر يقولان : كان البخاري يختلف معنا إلى السماع وهو غلام فلا يكتب حتى أتى على ذلك أيام، فكنا نقول له، فقال : إنكما قد أكثرتما علي فاعرضا علي ما كتبتما. فأخرجنا إليه ما كان عندنا فزاد على خمسة عشر ألف حديث فقرأها كلها عن ظهر قلب حتى جعلنا نحكم كتبنا من حفظه! ثم قال : أترون إني أختلف هدرا وأضيع أيامي؟! فعرفنا أنه لا يتقدمه أحد
قالا : فكان أهل المعرفة يعدون خلفه في طلب الحديث وهو شاب حتى يغلبوه على نفسه ويجلسوه في بعض الطريق فيجتمع عليه ألوف أكثرهم ممن يكتب عنه وكان شاب لم يخرج وجهه!
وقال محمد بن أبي حاتم : وسمعت سليم بن مجاهد يقول : كنت عند محمد بن سلام البيكندي فقال لي: لو جئتَ قبلُ لرأيت صبياً يحفظ سبعين ألف حديث!
قال: فخرجت في طلبه وتلقّيته فقلت: أنت الذي تقول: أنا أحفظ سبعين ألف حديث؟ قال: "نعم وأكثر ولا أجيئك بحديث عن الصحابة والتابعين إلا عرفت مولد أكثرهم ووفاتهم ومساكنهم! ولست أروي حديثاً من حديث الصحابة أو التابعين إلا ولي في ذلك أصل أحفظه حفظاً عن كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم".
وقال محمد بن حمدون بن رستم : سمعت مسلم بن الحجاج يقول للبخاري : "دعني أقبل رجليك يا أستاذ الأستاذين وسيد المحدثين وطبيب الحديث في علله".
وقال الترمذي : "لم أر أحداً بالعراق ولا بخراسان في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد أعلم من محمد بن إسماعيل".
وقال إسحاق بن أحمد الفارسي: سمعت أبا حاتم يقول سنة سبع وأربعين ومائتين: محمد بن إسماعيل أعلم مَنْ دخل العراق! ومحمد بن يحيى أعلم مَن بخراسان اليوم ومحمد بن أسلم أورعهم وعبد الله الدارمي أثبتهم".
وعن أحمد بن حنبل قال: "انتهى الحفظ إلى أربعة من أهل خراسان : أبو زرعة ومحمد بن إسماعيل والدارمي والحسن بن شجاع البلخي".
وقال أبو أحمد الحاكم : كان البخاري أحد الأئمة في معرفة الحديث وجمعه. ولو قلت أني لم أر تصنيف أحد يشبه تصنيفه في المبالغة والحسن لرجوت أن أكون صادقاً".
قال محمد بن يوسف البخاري قال: كنت عند محمد بن إسماعيل بمنزله ذات ليلة فأحصيت عليه أنه قام وأسرج يستذكر أشياء يعلقها في ليلة ثمان عشرة مرة!
وقال محمد بن أبي حاتم الوراق : كان أبو عبد الله إذا كنت معه في سفر يجمعنا بيتٌ واحد إلا في القيظ أحياناً. فكنت أراه يقوم في ليلة واحدة خمس عشرة مرة إلى عشرين مرة في كل ذلك يأخذ القداحة فيوري ناراً ويُسرج ثم يُخرِج أحاديث فيُعلم عليها ثم يضع رأسه. وكان يصلي وقت السحر ثلاث عشرة ركعة. وكان لا يوقظني في كل ما يقوم، فقلت له: إنك تحمل على نفسك في كل هذا ولا توقظني؟! قال : أنت شاب ولا أحب أن أفسد عليك نومك".
وقال الفِرَبْرِي: قال لي محمد بن إسماعيل ما وضعت في " الصحيح حديثاً إلا اغتسلت قبل ذلك وصليت ركعتين". يعني ما جلس ليضع في تصنيفه شيئا إلا وفعل ذلك لا أنه يفعل ذلك لكل حديث.
وقال إبراهيم بن معقل: سمعت أبا عبد الله يقول: "كنت عند إسحاق بن راهويه، فقال: لو جمعتم كتاباً مختصراً للسنن! فوقع ذلك في قلبي فأخذتُ في جمع هذا الكتاب".
وعن البخاري قال: "أخرجتُ هذا الكتاب من نحو ستمائة ألف حديث وصنفته ست عشرة سنة، وجعلته حجة فيما بيني وبين الله، رويت من وجهين ثابتين عنه".
وقال إبراهيم بن معقل : سمعته يقول : ما أدخلت في الجامع إلا ما صح وتركت من الصحاح لأجل الطول".
وقال محمد بن أبي حاتم : قلت لأبي عبد الله : تحفظ جميع ما في المصنف؟ قال : لا يخفى علي جميع ما فيه ولو نشر بعض أساتذي هؤلاء لم يفهموا كتاب التاريخ ولا عرفوه! ثم قال : صنفته ثلاث مرات.
وقد أخذه ابن راهويه فأدخله على عبد الله بن طاهر فقال : أيها الأمير ألا أريك سحراً. فنظر فيه عبد الله فتعجب منه وقال: لست أفهم تصنيفه!
وقال الفربري: حدثني نجم بن الفضل وكان من أهل الفهم قال: "رأيت النبي صلى الله عليه و سلم في النوم خرج من قرية ومحمد بن إسماعيل خلفه فإذا خطا خطوة يخطو محمد ويضع قدمه على قدمه ويتبع أثره".
وقال خلف الخيام: سمعت أبا عمرو بن نصر الخفاف يقول: محمد بن إسماعيل أعلم في الحديث من أحمد وإسحاق بعشرين درجة ومن قال فيه شيء فمني عليه ألف لعنة، ولو دخل من هذا الباب لملئت منه رعباً.
وقال أبو عيسى الترمذي : كان محمد بن إسماعيل عند عبد الله بن منير فلما قام من عنده قال له : "يا أبا عبد الله جعلك الله زين هذه الأمة". قال أبو عيسى: استجيب له فيه.
وقال جعفر بن محمد المستغفري في "تاريخ نسف" وذكر البخاري: لو جاز لي لفضّلته على من لقي من مشايخه ولقلت: ما رأى بعينه مثل نفسه! دخل نسفَ سنة ست وخمسين وحدث بها بجامعه الصحيح وخرج إلى سمرقند لعشر بقين من رمضان ومات بقرية خرتنك ليلة الفطر".
وقال الحاكم: "أول ما ورد البخاري نيسابور سنة تسع ومائتين ووردها في الأخير سنة خمسين ومائتين فأقام بها خمس سنين يحدث على الدوام".
قال محمد بن أبي حاتم: بلغني أن أبا عبد الله شرب البلاذر للحفظ فقلت له : هل من دواء يشربه الرجل للحفظ فقال: لا أعلم . ثم أقبل علي وقال: لا أعلم شيئاً أنفع لحفظ من نهمة الرجل ومداومة النظر، وذلك أني كنت بنيسابور مقيماً فكان يرد إلي من بخارى كتبٌ وكُنَّ قراباتٍ لي يقرئن سلامهن في الكتب فكنت أكتب إلى بخارى وأردت أن أقرئهن سلامي فذهب علي أساميهن حين كتبت كتابي ولم أقرئهن سلامي! وما أقل ما يذهب عني في العلم". يعني: ما أقل ما يذهب عنه من العلم لمداومة النظر والاشتغال وهذه قراباته قد نسي أسماءهن! وغالب الناس بخلاف ذلك؛ فتراهم يحفظون أسماء أقاربهم ومعارفهم ولا يحفظون إلا اليسير من العلم!
قال محمد بن أبي حاتم : وسمعته يقول: لم يكن كتابي للحديث كما يكتب هؤلاء، كنتُ إذا كتبتُ عن رجل سألته عن اسمه وكنيته ونسبه وعلة الحديث إن كان فهِماً فإن لم يكن فهِماً سألته أن يخرج إلى أصله ونسخته . فأما الآخرون فإنهم لا يبالون ما يكتبون وكيف يكتبون.
وسمعت العباس الدوري يقول : ما رأيت أحداً يحسن طلب الحديث مثل محمد بن إسماعيل . كان لا يدع أصلاً أو فرعاً إلا قلعه! ثم قال لنا عباس : لا تدعوا شيئاً من كلامه إلا كتبتموه!
سمعت إبراهيم الخواص مستملي صدقة يقول : رأيت أبا زرعة كالصبي جالساً بين يدي محمد بن إسماعيل يسأله عن علل الحديث.
فصل في ذكائه وسعة علمه
قال جعفر بن محمد القطان إمام كرمينية فيما رواه عنه مهيب بن سليم أنه سمع محمد بن إسماعيل يقول : "كتبت عن ألف شيخ أو أكثر عن كل واحد منهم عشرة آلاف وأكثر! ما عندي حديثٌ إلا أذكر إسناده"!
وقال محمد بن أبي حاتم : قرأ علينا أبو عبد الله كتاب الهبة فقال : ليس في هبة وكيع إلا حديثان مسندان أو ثلاثة وفي كتاب عبد الله بن المبارك خمسة أو نحوها وفي كتابي هذا خمسمائة حديث أو أكثر.
وسمعت أبا عبد الله يقول: ما قدمت على أحد إلا كان انتفاعه بي أكثر من انتفاعي به.
قال محمد بن أبي حاتم : سمعت سليم بن مجاهد يقول : سمعت أبا الأزهر يقول : "كان بسمرقند أربعمائة ممن يطلبون الحديث فاجتمعوا سبعة أيام وأحبوا مغالطة محمد بن إسماعيل فأدخلوا إسناد الشام في إسناد العراق وإسناد اليمن في إسناد الحرمين فما تعلقوا منه بسقطة لا في الإسناد ولا في المتن!!".
وقد ذكرت حكاية البغداديين في مثل هذا.
وقال الفربري : سمعت أبا عبد الله يقول: "ما استصغرت نفسي عند أحد إلا عند علي بن المديني وربما كنت أغرب عليه".
وقال محمد بن أبي حاتم : سمعت أبا عبد الله يقول : "ما نمت البارحة حتى عددت كم أدخلت في مصنفاتي من الحديث فإذا نحو مائتي ألف حديث مسندة".
وسمعته يقول: ما كتبت حكاية قط كنت أتحفظها. وسمعته يقول: لا أعلم شيئاً يُحتاج إليه إلا وهو في الكتاب والسنة". فقلت له: يمكن معرفة ذلك كله؟ قال: نعم!
وسمعته يقول : كنت في مجلس الفريابي فقال: ثنا سفيان عن أبي عروة عن أبي الخطاب عن أنس: "أن النبي صلى الله عليه و سلم كان يطوف على نسائه في غسل واحد"، فلم يعرف أحد في المجالس أبا عروة ولا أبا الخطاب، قال : أما أبو عروة فمعمر وأبو الخطاب قتادة. قال: وكان الثوري فعولاً لهذا يكني المشهورين.
قال محمد بن أبي حاتم : قدم رجاءٌ الحافظ فقال لأبي عبد الله : ما أعددت لقدومي حيث بلغك وفي أي شيء نظرت؟ قال: "ما أحدثت نظراً ولم أستعد لذلك فإن أحببت أن تسألني عن شيء فافعل". فجعل يناظره في أشياء فبقي رجاء لا يدري، ثم قال له أبو عبد الله : هل لك في الزيادة فقال استحياءً وخجلاً منه: نعم،
قال: سل إن شئت، فأخذ في أسامي أيوب فعدّ نحواً من ثلاثة عشر وأبو عبد الله ساكت فظن رجاء أن قد صنع شيئاً فقال: يا أبا عبد الله فاتك خير كثير،
فزيّف عبد الله في أولئك سبعا وأغرب عليه نحو أكثر من ستين رجلاً، ثم قال له رجاء : كم رويت في العمامة السوداء قال: هاتِ كم رويت أنت؟ قال البخاري: نروي نحواً من أربعين حديثاً، فخجل رجاء ويبس ريقه.
وسمعت أبا عبد الله يقول: دخلت بلخ فسألوني أن أملي عليهم لكل من كتبت عنه فأمليت ألف حديث عن ألف شيخ.
وقال ابن أبي حاتم وراق أبي عبد الله : قال أبو عبد الله : سئل إسحاق بن إبراهيم عمن طلّق ناسياً فسكت . فقلت : قال النبي صلى الله عليه و سلم : "إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل به أو تكلم" . وإنما يراد مباشرة هذه الثلاث : العمل والقلب أو الكلام والقلب وهذا لم يعتقد بقلبه، فقال إسحاق : قويتني . وأفتى به.
قال : وسمعت أبا عبد الله البخاري يقول : "ما جلست للحديث حتى عرفت الصحيح من السقيم وحتى نظرت في عامة كتب الرأي وحتى دخلت البصرة خمس مرات أو نحوها فما تركت بها حديثا صحيحا إلا كتبته إلا ما لم يظهر لي".
وسمعت بعض أصحابي يقول : كنت عند محمد بن سلام البيكندي فدخل محمد بن إسماعيل فلما خرج قال محمد بن سلام : كلما دخل علي هذا الصبي تحيرت والتبس علي أمر الحديث ولا أزال خائفاً منه ما لم يخرج".