بلقيس اليافعي
06-10-2011, 12:48 PM
عندما يحتدم نزاعٌ ما بين شخصين أو قبيلتين، وعندما تتوتر العلاقات وتتصادم، تظل الجنبية ترقب المشهد عن كثب.. قريباً سيأتي الدور ويتفتق الغمد عن وردة تحب السلام، وهناك نستشف التشابه السري بين الوردة والجنبية.. فيما يعرف في اليمن بالعدال أو التحكيم الذي لا يتم بدون الجنبية.
قبل الميلاد ولدت.. وبداية ظهورها في عام 3000 ق.م تؤكده شواهد قبور أثرية نقش عليها شكل الخنجر الهلالي، ورأي آخر يشير إلى أن ارتداءها كان في العصر السبئي للدولة الحميرية، وهو ما يؤكده تمثال معد يكرب «500 ق.م» مرتدياً جنبيته والذي اكتشف في اعمال الحفريات الأمريكية في مطلع الخمسينات في معبد أوام.. وتأتي النقود الذهبية الحميرية والتي زينت بها معظم مقابض الجنبية اليمنية القديمة لتقف في صف الرأي الأخير، ولوقوفها بجانب الرجل في سرائه وضرائه وملازمتها لجنبه حملت هذا الاسم الذي مازال مرادفاً لكل ما هو جميل وأصيل.
عندما ترقص الجنبية
هي وفية بالطبع، والوفاء يعني مشاركة الآخرين أفراحهم واتراحهم، وعندما ينصت الفضاء لأغاريد جنبية راقصة، فاعلم أن ثمة عيداً أو عرساً لا تكتمل ملامحه إلا بفرحة الجنبية.
وفي البرع والشرح تستعرض الجنبية قدراتها على الادهاش في حلبة الغناء الرحب، تتعاون مع الندى، وتوزع توهجها شموساً لا تجف، وشلالات من اللؤلؤ المنثور.
الجنبية في الخيال الشعبي
وكعادة أي شيء عظيم يشعل الأخيلة في ذاكرة الأفراد وقد يذهب بها بعيداً عن الحقيقة، تكون «الجنبية» قد استنفدت الكثير من التأمل، وبقيت استفزازاً حياً للكثير من الاساطير، التي تخلقها الجنبية «اعظم الأشياء في تأريخ الشخصية اليمنية وأكثرها رسوخاً في وجدانه».
لكي تسلم العروسة نزغات وآيادي الشياطين، يقوم العريس بإعطائها جنبيته في ليلة زفافهما لضمان العبور الناجح من بيت العزوبية إلى بيت الزوجية، وتكون الجنبية على مدار الطريق حرزاً حصيناً لكلا العريسين و «الرازم» أو «الكابوس» لا يستطيع مواجهة الجنبية مهما بلغت قوته ووحشيته، وفي الخيال الشعبي ما زالت الجنبية تمنع من المس الشيطاني والكوابيس وتدافع عن الكرامة وترمز للوجاهة وتدل على اكتمال الشخصية ولها مآرب أخرى!. .
مكونات الجنبية:
المقبض: رأس الجنبية وعنوانها، وعليه تتوقف قيمتها، التي قد تصل إلى ما يزيد عن مليون ريال يمني، والمقبض نفسه هو الذي دفع بأحد المشائخ لشراء جنبية بمليون دولار والتي ترجع قيمتها التأريخية إلى الإمام شرف الدين أحد أئمة اليمن في القرن السادس الهجري، ومثل هذا المقبض لا يكون إلا صيفانياً أجود أنواع المقابض واغلاها ثمناً ويصنع من قرن وحيد القرن ليغدو هذا الحيوان وحيداً بلا قرن.. والقرن الصيفاني قد يعود تأريخه من 200 إلى 500 سنة أو أكثر، وهو الوحيد الذي يزداد شباباً وثمناً بازدياد العمر، ويأتي بعده القرن الاسعدي 40 إلى 60 سنة ويسمى القلب، يتلوه الزراف والكرك وغيرهما..
وفي جميع الرؤوس «المقابض» توضع دائرتان من الذهب الحميري أو الفضة وتسميان «الزهرتين».
النصل: من الحديد والفولاذ القوي، لاسيما «الهندوان» وجنزير الدبابات ويصنع بطريقة يدوية غاية في الاتقان والذوق.. ومن انواع النصال الحضرمي، الصنعاني، الجوبي، الذماري، وقد توجد عليها نقوش أو رسومات محفورة.
المبسم: وهو الجزء الفاصل أو الواصل بين المقبض والنصل ويصنع من الفضة ويتفنن الحرفيون في إبداع أشكاله وزخارفه.
الغمد «العسيب»:
يصنع من انواع الاخشاب مثل الصنوبر والطنب، ويلبس بالجلد المدبوغ والمصبوغ باللون الأخضر وتلف عليه حبال رفيعة وأنيقة بشكل هندسي ومدهش، وأحياناً يغطى بالذهب أو الفضة..
وهناك عدة انواع مثل الغمد الحاشدي ذو الزاوية الحادة، والغمد الثومة أو التوزة والغمد البكيلي ذو الزاوية المنفرجة.
يأتي الحزام ليشد الغمد والجنبية إلى الخصر ويثبتهما بصورة لائقة وأنيقة ويصنع الحزام من الجلد المدبوغ أو الأقمشة ذات السمك والمتانة وله محترفون من النساء في الأغلب.. وقد يطرز الحزام بخيوط من الذهب أو خيوط لامعة ذات لون ذهبي .
الأطفال.. والرجولة المبكرة
يبدو الطفل وهو يرتدي جنبيته أكبر من عمره بسنوات، ربما هو الشعور المبكر بالنضج أو انها تعني لهم الشيء الكثير، وكأن هذا الطفل الصغير يقول أيها القوم: اطمئنوا.. لن يذهب ما حاكته أفكاركم سدى سوف نحافظ على كل ذرة من موروثنا الشعبي والحضاري.. اطمئنوا فليس ثمة جيل قادر على التقدم بدون تأريخ!! وكاله
في الأصل هو الخنجر سمي بـ الجنبية نتيجة لأن الإنسان اليمني اتخذ لها موضعاً علي جنبه حتي أصبح جزءاً منه يرافقه طوال حياته.
ويذكر أن بداية ظهور الخنجر الجنبية يعود إلي القرن السابع قبل الميلاد بدليل ما يكشف عنه تمثال الملك معدي كرب الذي يظهر عليه تجسيد مصغر لشكل الجنبية اليمنية في صورتها الأولي والتي كانت تشبه السيف في تصميمها أو الخنجر اليمني الذي بدأت صناعته في اليمن منذ العهد السبيء ومروره بمراحل عدة منذ الدولة المعينية عام 1120 ق م، والدولة الحضرمية 65 ق م، والدولة القتبانية 865 ق م مروراً بالدولة السبئية 120 ق م فالدولة الحميرية 115م ــ 628م ثم عصر الإسلام وصولاً إلي العصر الحديث إلي أن أخذت تلك الصورة التراثية البديعة.
الحضرمية أشهر الجنابي والصيفاني أغلاها
تفنن اليمنيون في صناعتهم للخنجر الجنبية منذ القدم فجعلوها عامرة بالنقوش والزخارف الفنية الرفيعة التي جعلت منها تحفة نفيسة غالية الثمن، وبذلك أصبحت مصدر دخل للكثير من الأسر وعامل جذب للكثير من الزائرين والسياح.
وتتكون الجنبية من الرأس الذي يسمي رأس الجنبية وهو الجزء الذي تتوقف عليه قيمة الجنبية والذي يعد أهم جزء فيها وعادة ما يصنع هذا الرأس من قرون الحيوانات وعظام الزراف وحوافر الجمال كما يتم صنعه أيضاً من بعض أنواع المواد البلاستيكية والخشب وهو أنواع فمنه ما يسمي الصيفاني والذي يحتل المرتبة الأولي وسمي بهذا الاسم لشدة صفائه ورونقه ويصنع من لب قرن حيوان وحيد القرن، ويأتي في المرتبة الثانية الرأس الأسعدي نسبة إلي أحد ملوك اليمن القدماء وهو الملك أسعد الكامل ثم رأس الزراف وفي المرتبة الأخيرة الكرك ويقوم صانع رأس الجنبية باستيراد قرون وحيد القرن من كينيا ودول القرن الأفريقي والهند.
وأكثر الرؤوس طلباً وأغلاها ثمناً هو الرأس الصيفاني نظراً لما يتمتع به من مميزات إذ أنه بمرور الزمن يكتسب قيمة أكثر من سابقها كما أن كثرة تعرضه للمس والفرك واستخدامه يضفي عليه المزيد من الروعة والجمال حيث يتغير لونه من قاتم إلي فاتح حتي يصبح شفافاً كالزجاج.
ويتراوح عمر الجنبية التي تحمل رأساً صيفانيناً بين 400 عام و1500 عام وهي لا تقدر بثمن، ولعل السبب الخفي في ارتفاع هذا النوع من الرؤوس في الآونة الأخيرة يعود إلي قرار منظمة حماية حقوق الحيوان الذي يقضي بمنع استيراد قرون وحيد القرن خوفاً علي هذا الحيوان من الانقراض.
أما الجزء الثاني في الجنبية فيسمي النصل ويعتبر من أهم الأجزاء المكملة للجنبية علي الإطلاق وهو عبارة عن قطعة معدنية حديدية بالغة الحدة يوجد علي كل من وجهيها خط مجوف إلي الأعلي يسمح بدخول الهواء في الجرح أثناء الطعن وبالتالي فإنه يؤدي إلي إصابة الجرح بالتسمم، والنصل أنواع فمنها الحضرمي والجولي والبتار ويصنع في محافظات حضرموت والبيضاء وذمار وصنعاء وأفضل أنواعها هي النصلة الحضرمية .
وللحفاظ علي الجنبية وإعطائها المنظر الجمالي البراق صنعت اليد اليمنية ما يسمي بالجراب أو العسيب أو الجهاز أو الجفل وهو الغمد المصنوع من الخشب، ويعد خشب التالوث والعشار أفضل أنواع الأخشاب التي يصنع منها الغمد العسيب وهو نوعان الحاشدي وهو الأكثر انتشاراً حيث يتميز هذا النوع بصغر زاوية انحناء مؤخرة الغمد وشكله يشبه حرف اللام وهو أكثر استخداماً في الوقت الحاضر، أما النوع الثاني فهو البكيلي وشكله يشبه حرف الراء، وهذا النوع يكاد يكون مقتصراً علي طبقة معينة تتمثل في طبقة السادة والقضاة.
ومن مكونات الجنبية الحزام الذي يظهر عليه جلياً الفن التشكيلي والحرفي الذي صنعته يد فنان ماهر ويسمي حزام الجنبية وهو أنواع مثل المتوكلي نسبة للإمام المتوكل، وكذا الكبسي والطيري والمرهي والمركزي وتتفاوت الأحزمة تبعاً لتفاوت واختلاف أنواع الخيوط المستخدمة في تطريزه وجودة نقشته وجمال شكله وتطرز غالبية الأحزمة بالخيوط الذهبية السميكة والتي تسمي بالسيم.
للجنبية قيمة اجتماعية
للجنبية قيمة معنوية في أوساط المجتمع اليمني منذ قدم الزمان، وقد تحولت إلي مفخرة يبالغ الإنسان في ثمنها الذي قد يصل إلي أكثر من مهور مائة عروس أحياناً، وإذا كان من المعروف أن السلعة العادية ينخفض ثمنها عندما تصبح قديمة إلاّ أن هذا القانون في القيمة لا يجري علي الجنبية التي يمدها القدم بالنضارة والبهاء فيزداد ثمنها أضعافاً مضاعفة كما تزداد قيمتها إذا كان مالكها من الوجهاء أو الأسر العريقة.
واليمني الذي يملك جنبية قديمة موروثة يحاول قدر الإمكان المحافظة عليها كونها جزءاً من مقوماته الشخصية يتعذر التفريط بها أو بيعها لأن ذلك في نظره عار وتفريط بشيء علي صلة بشرف العائلة.
جنبية بمليون دولار
قصتان شهيرتان حول الجنبية لا يمكن تجاوزها في سياق هذا العرض السريع إحداهما كانت متداولة علي مدي أكثر من عام في ملتقيات وجلسات القات في صنعاء، وهي أن أحد كبار شيوخ القبائل اليمنية ورمزاً من رموزها المعروفين اشتري جنبية قديمة تنسب ملكيتها إلي الإمام شرف الدين أحد أئمة اليمن الذين حكموا ويعود تاريخها إلي 672هـ أي أن عمرها 750 عاماً، وقد تم شراؤها من أحد كبار تجار صنعاء المرحوم الحاج حسين الوتاري بمبلغ مليون دولار ما يعادل 169 مليون ريال يمني، وتعد هذه أغلي جنبية يمنية قديمة طرحت في السوق اليمنية وبيعت بهذا المبلغ الكبير في وقت ينظر أصحاب الأموال إلي أن مثل هذا المبلغ كفيل بإقامة مشروع استثماري يوفر عشرات الفرص للعمل ويغطي بمنتوجه احتياجات هامة في السوق اليمنية، لكن بحكم الأعراف والقيمة التاريخية والثقافية والاجتماعية للجنبية، رأي شاريها أنها تستحق تجميد مبلغ بهذا الحجم فيها في مطلع الألفية الثالثة مما يؤكد احتفاظ الجنبية كجزء من التراث الشعبي والمخزون الحضاري اليمني لقيمتها بل وتزداد هذه القيمة باستمرار.
جنبية الأحمر ورثها عن الإمام
الجنبية الثانية روي قصتها الشيخ عبد الله الأحمر شيخ قبائل حاشد أكثر من مرة، وهي جنبيته الشخصية التي يتمنطق بها في كل تحركاته وأنشطته الرسمية والشعبية، إذْ يعود تاريخ تلك الجنبية إلي قبل أربعمائة عام، وكانت قد وصلت إلي الشيخ الأحمر غداة قيام الثورة اليمنية في ايلول (سبتمبر) عام 61م أي قبل 39 عاماً حيث كانت مملوكة للإمام يحيي حميد الدين الذي حكم اليمن مطلع القرن العشرين حتي عام 48م وانتقلت إلي ابنه الأكبر من بعده الإمام أحمد حميد الدين الذي حكم حتي عام 62م وعندما اندلعت الثورة في 26 أيلول (سبتمبر) من العام نفسه عقب وفاة الإمام أحمد بأسبوع كانت تلك الجنبية مخزونة في إحدي خزنات قصر الإمام في صنعاء وهو القصر الذي اقتحمه الثوار من رجال الجيش والقبائل وكان من بينهم الشيخ سنان أبو لحوم أحد شيوخ قبائل بكيل، وفيما كان الموجودون في القصر يتفحصون محتوياته عثر الشيخ سنان علي الجنبية وحينها قال: هذه الجنبية يجب أن تعطي للشيخ عبد الله الأحمر كجزء من تعويض عن الممتلكات التي سلبها الإمام أحمد من أسرة آل الأحمر عام 55م وبخاصة جنبيتين كانتا مملوكتين للشيخ حسين بن ناصر الأحمر والد الشيخ عبد الله والشيخ حميد بن حسين الأحمر شقيق الشيخ عبد الله، إذ أن الإمام أعدم والد الشيخ عبد الله الأحمر وشقيقه حميد عام 55م، وهكذا انتقلت الجنبية من الإمامين يحيي وأحمد يحيي حميد الدين إلي الشيخ عبد الله الأحمر، وهي من أهم المقتنيات التي يفخر بها الشيخ الأحمر ويقص حكاياتها علي أصدقائه وزوّاره نظراً لقيمتها التاريخية والاجتماعية والسياسية أيضاً.
الرجولة والجنبية
كما أن الأبناء في اليمن عادة ما يفخرون بما يتورثون من جنابي عن آبائهم كجزء من التركة التي يخلفها الأباء للأبناء، وفي التقاليد اليمنية يعمد الأباء أن يقتنوا الجنابي لأبنائهم وهم في سن الصبي كدليل علي تنشأتهم تنشأة تتميز بالرجولة والكبرياء والاعتزاز، ولا تزال هذه الأساليب متبعة في الكثير من المناطق القبلية علي الرغم من انتشار التعليم وزيادة الضغوط الاقتصادية.
انَّ في هذا الإطار يقول أحد صانعي الجنابي في سوق الملح بصنعاء وهو الحرفي محمد الرحبي الجنبية زينة الرجل وشرفه والإنسان اليمني الذي من دون جنبية يظهر في أعين الآخرين ناقصاً مثله مثل الرجل الذي يخرج من منزله عارياً، أما الرجل الذي يحمل جنبية برأس صيفاني فإنه يشعر بالزهو والافتخار نظراً للقيمة المعنوية التي يستمدها شعورياً من نوعية الجنبية التي يحملها .
قبل الميلاد ولدت.. وبداية ظهورها في عام 3000 ق.م تؤكده شواهد قبور أثرية نقش عليها شكل الخنجر الهلالي، ورأي آخر يشير إلى أن ارتداءها كان في العصر السبئي للدولة الحميرية، وهو ما يؤكده تمثال معد يكرب «500 ق.م» مرتدياً جنبيته والذي اكتشف في اعمال الحفريات الأمريكية في مطلع الخمسينات في معبد أوام.. وتأتي النقود الذهبية الحميرية والتي زينت بها معظم مقابض الجنبية اليمنية القديمة لتقف في صف الرأي الأخير، ولوقوفها بجانب الرجل في سرائه وضرائه وملازمتها لجنبه حملت هذا الاسم الذي مازال مرادفاً لكل ما هو جميل وأصيل.
عندما ترقص الجنبية
هي وفية بالطبع، والوفاء يعني مشاركة الآخرين أفراحهم واتراحهم، وعندما ينصت الفضاء لأغاريد جنبية راقصة، فاعلم أن ثمة عيداً أو عرساً لا تكتمل ملامحه إلا بفرحة الجنبية.
وفي البرع والشرح تستعرض الجنبية قدراتها على الادهاش في حلبة الغناء الرحب، تتعاون مع الندى، وتوزع توهجها شموساً لا تجف، وشلالات من اللؤلؤ المنثور.
الجنبية في الخيال الشعبي
وكعادة أي شيء عظيم يشعل الأخيلة في ذاكرة الأفراد وقد يذهب بها بعيداً عن الحقيقة، تكون «الجنبية» قد استنفدت الكثير من التأمل، وبقيت استفزازاً حياً للكثير من الاساطير، التي تخلقها الجنبية «اعظم الأشياء في تأريخ الشخصية اليمنية وأكثرها رسوخاً في وجدانه».
لكي تسلم العروسة نزغات وآيادي الشياطين، يقوم العريس بإعطائها جنبيته في ليلة زفافهما لضمان العبور الناجح من بيت العزوبية إلى بيت الزوجية، وتكون الجنبية على مدار الطريق حرزاً حصيناً لكلا العريسين و «الرازم» أو «الكابوس» لا يستطيع مواجهة الجنبية مهما بلغت قوته ووحشيته، وفي الخيال الشعبي ما زالت الجنبية تمنع من المس الشيطاني والكوابيس وتدافع عن الكرامة وترمز للوجاهة وتدل على اكتمال الشخصية ولها مآرب أخرى!. .
مكونات الجنبية:
المقبض: رأس الجنبية وعنوانها، وعليه تتوقف قيمتها، التي قد تصل إلى ما يزيد عن مليون ريال يمني، والمقبض نفسه هو الذي دفع بأحد المشائخ لشراء جنبية بمليون دولار والتي ترجع قيمتها التأريخية إلى الإمام شرف الدين أحد أئمة اليمن في القرن السادس الهجري، ومثل هذا المقبض لا يكون إلا صيفانياً أجود أنواع المقابض واغلاها ثمناً ويصنع من قرن وحيد القرن ليغدو هذا الحيوان وحيداً بلا قرن.. والقرن الصيفاني قد يعود تأريخه من 200 إلى 500 سنة أو أكثر، وهو الوحيد الذي يزداد شباباً وثمناً بازدياد العمر، ويأتي بعده القرن الاسعدي 40 إلى 60 سنة ويسمى القلب، يتلوه الزراف والكرك وغيرهما..
وفي جميع الرؤوس «المقابض» توضع دائرتان من الذهب الحميري أو الفضة وتسميان «الزهرتين».
النصل: من الحديد والفولاذ القوي، لاسيما «الهندوان» وجنزير الدبابات ويصنع بطريقة يدوية غاية في الاتقان والذوق.. ومن انواع النصال الحضرمي، الصنعاني، الجوبي، الذماري، وقد توجد عليها نقوش أو رسومات محفورة.
المبسم: وهو الجزء الفاصل أو الواصل بين المقبض والنصل ويصنع من الفضة ويتفنن الحرفيون في إبداع أشكاله وزخارفه.
الغمد «العسيب»:
يصنع من انواع الاخشاب مثل الصنوبر والطنب، ويلبس بالجلد المدبوغ والمصبوغ باللون الأخضر وتلف عليه حبال رفيعة وأنيقة بشكل هندسي ومدهش، وأحياناً يغطى بالذهب أو الفضة..
وهناك عدة انواع مثل الغمد الحاشدي ذو الزاوية الحادة، والغمد الثومة أو التوزة والغمد البكيلي ذو الزاوية المنفرجة.
يأتي الحزام ليشد الغمد والجنبية إلى الخصر ويثبتهما بصورة لائقة وأنيقة ويصنع الحزام من الجلد المدبوغ أو الأقمشة ذات السمك والمتانة وله محترفون من النساء في الأغلب.. وقد يطرز الحزام بخيوط من الذهب أو خيوط لامعة ذات لون ذهبي .
الأطفال.. والرجولة المبكرة
يبدو الطفل وهو يرتدي جنبيته أكبر من عمره بسنوات، ربما هو الشعور المبكر بالنضج أو انها تعني لهم الشيء الكثير، وكأن هذا الطفل الصغير يقول أيها القوم: اطمئنوا.. لن يذهب ما حاكته أفكاركم سدى سوف نحافظ على كل ذرة من موروثنا الشعبي والحضاري.. اطمئنوا فليس ثمة جيل قادر على التقدم بدون تأريخ!! وكاله
في الأصل هو الخنجر سمي بـ الجنبية نتيجة لأن الإنسان اليمني اتخذ لها موضعاً علي جنبه حتي أصبح جزءاً منه يرافقه طوال حياته.
ويذكر أن بداية ظهور الخنجر الجنبية يعود إلي القرن السابع قبل الميلاد بدليل ما يكشف عنه تمثال الملك معدي كرب الذي يظهر عليه تجسيد مصغر لشكل الجنبية اليمنية في صورتها الأولي والتي كانت تشبه السيف في تصميمها أو الخنجر اليمني الذي بدأت صناعته في اليمن منذ العهد السبيء ومروره بمراحل عدة منذ الدولة المعينية عام 1120 ق م، والدولة الحضرمية 65 ق م، والدولة القتبانية 865 ق م مروراً بالدولة السبئية 120 ق م فالدولة الحميرية 115م ــ 628م ثم عصر الإسلام وصولاً إلي العصر الحديث إلي أن أخذت تلك الصورة التراثية البديعة.
الحضرمية أشهر الجنابي والصيفاني أغلاها
تفنن اليمنيون في صناعتهم للخنجر الجنبية منذ القدم فجعلوها عامرة بالنقوش والزخارف الفنية الرفيعة التي جعلت منها تحفة نفيسة غالية الثمن، وبذلك أصبحت مصدر دخل للكثير من الأسر وعامل جذب للكثير من الزائرين والسياح.
وتتكون الجنبية من الرأس الذي يسمي رأس الجنبية وهو الجزء الذي تتوقف عليه قيمة الجنبية والذي يعد أهم جزء فيها وعادة ما يصنع هذا الرأس من قرون الحيوانات وعظام الزراف وحوافر الجمال كما يتم صنعه أيضاً من بعض أنواع المواد البلاستيكية والخشب وهو أنواع فمنه ما يسمي الصيفاني والذي يحتل المرتبة الأولي وسمي بهذا الاسم لشدة صفائه ورونقه ويصنع من لب قرن حيوان وحيد القرن، ويأتي في المرتبة الثانية الرأس الأسعدي نسبة إلي أحد ملوك اليمن القدماء وهو الملك أسعد الكامل ثم رأس الزراف وفي المرتبة الأخيرة الكرك ويقوم صانع رأس الجنبية باستيراد قرون وحيد القرن من كينيا ودول القرن الأفريقي والهند.
وأكثر الرؤوس طلباً وأغلاها ثمناً هو الرأس الصيفاني نظراً لما يتمتع به من مميزات إذ أنه بمرور الزمن يكتسب قيمة أكثر من سابقها كما أن كثرة تعرضه للمس والفرك واستخدامه يضفي عليه المزيد من الروعة والجمال حيث يتغير لونه من قاتم إلي فاتح حتي يصبح شفافاً كالزجاج.
ويتراوح عمر الجنبية التي تحمل رأساً صيفانيناً بين 400 عام و1500 عام وهي لا تقدر بثمن، ولعل السبب الخفي في ارتفاع هذا النوع من الرؤوس في الآونة الأخيرة يعود إلي قرار منظمة حماية حقوق الحيوان الذي يقضي بمنع استيراد قرون وحيد القرن خوفاً علي هذا الحيوان من الانقراض.
أما الجزء الثاني في الجنبية فيسمي النصل ويعتبر من أهم الأجزاء المكملة للجنبية علي الإطلاق وهو عبارة عن قطعة معدنية حديدية بالغة الحدة يوجد علي كل من وجهيها خط مجوف إلي الأعلي يسمح بدخول الهواء في الجرح أثناء الطعن وبالتالي فإنه يؤدي إلي إصابة الجرح بالتسمم، والنصل أنواع فمنها الحضرمي والجولي والبتار ويصنع في محافظات حضرموت والبيضاء وذمار وصنعاء وأفضل أنواعها هي النصلة الحضرمية .
وللحفاظ علي الجنبية وإعطائها المنظر الجمالي البراق صنعت اليد اليمنية ما يسمي بالجراب أو العسيب أو الجهاز أو الجفل وهو الغمد المصنوع من الخشب، ويعد خشب التالوث والعشار أفضل أنواع الأخشاب التي يصنع منها الغمد العسيب وهو نوعان الحاشدي وهو الأكثر انتشاراً حيث يتميز هذا النوع بصغر زاوية انحناء مؤخرة الغمد وشكله يشبه حرف اللام وهو أكثر استخداماً في الوقت الحاضر، أما النوع الثاني فهو البكيلي وشكله يشبه حرف الراء، وهذا النوع يكاد يكون مقتصراً علي طبقة معينة تتمثل في طبقة السادة والقضاة.
ومن مكونات الجنبية الحزام الذي يظهر عليه جلياً الفن التشكيلي والحرفي الذي صنعته يد فنان ماهر ويسمي حزام الجنبية وهو أنواع مثل المتوكلي نسبة للإمام المتوكل، وكذا الكبسي والطيري والمرهي والمركزي وتتفاوت الأحزمة تبعاً لتفاوت واختلاف أنواع الخيوط المستخدمة في تطريزه وجودة نقشته وجمال شكله وتطرز غالبية الأحزمة بالخيوط الذهبية السميكة والتي تسمي بالسيم.
للجنبية قيمة اجتماعية
للجنبية قيمة معنوية في أوساط المجتمع اليمني منذ قدم الزمان، وقد تحولت إلي مفخرة يبالغ الإنسان في ثمنها الذي قد يصل إلي أكثر من مهور مائة عروس أحياناً، وإذا كان من المعروف أن السلعة العادية ينخفض ثمنها عندما تصبح قديمة إلاّ أن هذا القانون في القيمة لا يجري علي الجنبية التي يمدها القدم بالنضارة والبهاء فيزداد ثمنها أضعافاً مضاعفة كما تزداد قيمتها إذا كان مالكها من الوجهاء أو الأسر العريقة.
واليمني الذي يملك جنبية قديمة موروثة يحاول قدر الإمكان المحافظة عليها كونها جزءاً من مقوماته الشخصية يتعذر التفريط بها أو بيعها لأن ذلك في نظره عار وتفريط بشيء علي صلة بشرف العائلة.
جنبية بمليون دولار
قصتان شهيرتان حول الجنبية لا يمكن تجاوزها في سياق هذا العرض السريع إحداهما كانت متداولة علي مدي أكثر من عام في ملتقيات وجلسات القات في صنعاء، وهي أن أحد كبار شيوخ القبائل اليمنية ورمزاً من رموزها المعروفين اشتري جنبية قديمة تنسب ملكيتها إلي الإمام شرف الدين أحد أئمة اليمن الذين حكموا ويعود تاريخها إلي 672هـ أي أن عمرها 750 عاماً، وقد تم شراؤها من أحد كبار تجار صنعاء المرحوم الحاج حسين الوتاري بمبلغ مليون دولار ما يعادل 169 مليون ريال يمني، وتعد هذه أغلي جنبية يمنية قديمة طرحت في السوق اليمنية وبيعت بهذا المبلغ الكبير في وقت ينظر أصحاب الأموال إلي أن مثل هذا المبلغ كفيل بإقامة مشروع استثماري يوفر عشرات الفرص للعمل ويغطي بمنتوجه احتياجات هامة في السوق اليمنية، لكن بحكم الأعراف والقيمة التاريخية والثقافية والاجتماعية للجنبية، رأي شاريها أنها تستحق تجميد مبلغ بهذا الحجم فيها في مطلع الألفية الثالثة مما يؤكد احتفاظ الجنبية كجزء من التراث الشعبي والمخزون الحضاري اليمني لقيمتها بل وتزداد هذه القيمة باستمرار.
جنبية الأحمر ورثها عن الإمام
الجنبية الثانية روي قصتها الشيخ عبد الله الأحمر شيخ قبائل حاشد أكثر من مرة، وهي جنبيته الشخصية التي يتمنطق بها في كل تحركاته وأنشطته الرسمية والشعبية، إذْ يعود تاريخ تلك الجنبية إلي قبل أربعمائة عام، وكانت قد وصلت إلي الشيخ الأحمر غداة قيام الثورة اليمنية في ايلول (سبتمبر) عام 61م أي قبل 39 عاماً حيث كانت مملوكة للإمام يحيي حميد الدين الذي حكم اليمن مطلع القرن العشرين حتي عام 48م وانتقلت إلي ابنه الأكبر من بعده الإمام أحمد حميد الدين الذي حكم حتي عام 62م وعندما اندلعت الثورة في 26 أيلول (سبتمبر) من العام نفسه عقب وفاة الإمام أحمد بأسبوع كانت تلك الجنبية مخزونة في إحدي خزنات قصر الإمام في صنعاء وهو القصر الذي اقتحمه الثوار من رجال الجيش والقبائل وكان من بينهم الشيخ سنان أبو لحوم أحد شيوخ قبائل بكيل، وفيما كان الموجودون في القصر يتفحصون محتوياته عثر الشيخ سنان علي الجنبية وحينها قال: هذه الجنبية يجب أن تعطي للشيخ عبد الله الأحمر كجزء من تعويض عن الممتلكات التي سلبها الإمام أحمد من أسرة آل الأحمر عام 55م وبخاصة جنبيتين كانتا مملوكتين للشيخ حسين بن ناصر الأحمر والد الشيخ عبد الله والشيخ حميد بن حسين الأحمر شقيق الشيخ عبد الله، إذ أن الإمام أعدم والد الشيخ عبد الله الأحمر وشقيقه حميد عام 55م، وهكذا انتقلت الجنبية من الإمامين يحيي وأحمد يحيي حميد الدين إلي الشيخ عبد الله الأحمر، وهي من أهم المقتنيات التي يفخر بها الشيخ الأحمر ويقص حكاياتها علي أصدقائه وزوّاره نظراً لقيمتها التاريخية والاجتماعية والسياسية أيضاً.
الرجولة والجنبية
كما أن الأبناء في اليمن عادة ما يفخرون بما يتورثون من جنابي عن آبائهم كجزء من التركة التي يخلفها الأباء للأبناء، وفي التقاليد اليمنية يعمد الأباء أن يقتنوا الجنابي لأبنائهم وهم في سن الصبي كدليل علي تنشأتهم تنشأة تتميز بالرجولة والكبرياء والاعتزاز، ولا تزال هذه الأساليب متبعة في الكثير من المناطق القبلية علي الرغم من انتشار التعليم وزيادة الضغوط الاقتصادية.
انَّ في هذا الإطار يقول أحد صانعي الجنابي في سوق الملح بصنعاء وهو الحرفي محمد الرحبي الجنبية زينة الرجل وشرفه والإنسان اليمني الذي من دون جنبية يظهر في أعين الآخرين ناقصاً مثله مثل الرجل الذي يخرج من منزله عارياً، أما الرجل الذي يحمل جنبية برأس صيفاني فإنه يشعر بالزهو والافتخار نظراً للقيمة المعنوية التي يستمدها شعورياً من نوعية الجنبية التي يحملها .