المهاجر اليمني
03-06-2008, 08:07 PM
كما تدين تدان
ـ 1 ـ
كان تاجراً كبيرا ، وكانت تجارته بين العراق وسورية (2):
يبيع الحبوب في سورية ، ويستورد منها الصابون والأقمشة .
وكان رجلاً مستقيما في خلقه ، قوي التدين ، يزكي ماله ويغدق على الفقراء مما أفاء الله به عليه من خير .
وكان يقضي حاجات الناس ، لايكاد يرد سائلاً ، وكان يقول :
(( زكاة المال من المال وزكاة الجاه قضاء الحاجات )) .
وكان يعود مرضى محلته ويتفقدهم كل يوم تقريبا ، وكان يصلي المغرب والعشاء في مسجدا قرب داره ن فلا يتخلف عن الصلاة أحد من جيرانه الإ ويسأل عنه ، فإذا كان مريضاً عاده ، وإذا كان محتاجا إلى المال أعطاه من ماله ، وإذا كان مسافراً خلفه في عياله .
وكان له ولدُ وابنة واحدة ، بلغا عمر الشباب .
وفي يوم من الأيام ، سأل ولده الوحيد أن يسافر الى سورية بتجارته قائلاً له:
(( لقد كبرت ياولدي ، فلا أقوى على السفر. وقد أصبحت رجلاً والحمد لله
فسافر على بركة الله مع قافلة الحبوب الى حلب فبع مامعك ، وأشتر بها صابوناً وقماشا ثم عد الينا ، ولكنني أوصيك بتقوى الله ، وأطلب منك أن تحافظ على شرف أختك )).
وكان ذلك قبل الحرب العالمية الأولى ، يوم لم يكن حينئذ قطارات ولا سيارات...
ـ 2 ـ
وسافر الشاب بتجارة أبيه من مرحلة إلى مرحلة:
يسهر على إدارت القافلة ، ويحرص على حماية ماله ، ويقوم على شـؤون رجاله .
وفي حلب الشهباء ، باع حبوبه ، واشترى بثمنهامن صابونها الممتاز وقماشها الفاخر،
ثم تجهز للعودة أدراجه إلى الموصل الحدباء .
وفي يوما من الأيام قبيل عودته من حلب ، رأى شابة جميلة تخطر بغلالة من اللاذ (3)
في طريق مقفر بعد غروب الشمس ، أختطف منها قبلة ثم هرب على وجهه وهربت الفتاة . وما كاد يستقر به المقام في مستقره إلا وأخذ يؤنب نفسه وندم على فعلته ولا ساعة مندم .
وكتـم أمره عن أصحابه ، ولم يبح بسره لأحد ، وبعد أيام عاد إلى بلده .
وكان والده الشيخ في غرفته يطل منها على حوش (4) الدار، حين طرق الباب السٌقاء ،
فهرعت إبنته الى الباب تفتحه له ، وحمل السقاء قربته وصبها في اُلحب (5) ،
وأخت الفتى تنتظره على الباب لتغلقه بعد مغادرة السقاء الدار .
وعاد السقاء بقربته الفارغة ، فلما مر بالفتاة قبلها ، ثم هرب لايلوي على شىء .
ولمح أبوها من نافذة غـرفته ماحدث ، فردد من صميم قلبه :
(( لاحول ولا قـوة الا بالله )).
ولم يقل الأب شيئاً ، ولم تقل الفتاة شيئاً .
وعاد السقاء في اليوم الثاني إلى دار الرجل كالمعتاد ، وكان مطأطىء الرأس خجلاُ ، وفتحت له الفتاة الباب ،ولكنه لم يعد الى فعلته مرة أخرى .
لقد كان السقاء يزود الدار بالماء منذ سنين ، كما كان يزود دور المحلة كلها بالماء ،
ولم يكن في يوم من الأيام موضع ريبة ، ولم يحدث له أن ينظر إلى محارم الناس نظرة سوء ،وكان في العقد الخامس من عمرة وقد ولٌى عنه عهد الشباب وما قد يصحبه من تهـور وطيش وغـرور ..
ـ 3 ـ
وقدم الفتى الموصل ، موفور الصحة ، وافر المال .
ولم يفرح والده بالصحة ولا بالمال ، لم يسأل ولده عن تجارته ولا عن سفره ، ولا عن أصحابه التجار في حلب .
لقد سأل ولده أول ماسأله : ماذا فعلت منذ غادرت الموصل إلى أن عدت اليها ؟
وابتدأ الفتى يسرد قصة تجارته ، فقاطعه أبوه متسائلا :
(( هل قبلت فتاة، ومن متى وأين )) فسقط ( 6 ) في يد الشاب ، ثم أنكر ..
واحمرُ وجه الفتى وتلعثم ، وأطرق برأسه إلى الأرض في صمت مطبق كأنه صخرة من صخور الجبال لايتحرك ولا يريـم ( 7 ) .
وكان الصمت فترة قصيرة من عمر الزمن ، ولكنه كان كأنه الدهر .
وأخيراً قال له أبوه : لقد أوصيتك أن تصون عرض أختك في سفرك ، ولكنك لم تفعل .
وقص عليه قصة أخته وكيف قبلها السقاء ، فلا بد ان تلك بتلك القبلة وفاء لدين عليك ..
وانهار الفتى ، واعترف بالحقيقة .
وقال له أبوه مشفقا عليه وعلى أخته وعلى نفسه :
(( أنني لم أكشف ذيلي في حرام ، وكنت أصون عرضي حين كنت أصون اعراض الناس )) ولا أذكر أن لي خيانة في عرض أو سقطة من فاحشة ، أرجو ألا اكون مدينا لله بشيء من ذلك .
وحين قبل السقاء أختك تيقنت أنك قبلت فتاة ما ، فأدت أختك عنك دينك ،
لقد كانت دقة بدقة ، وإن زدت زاد السقاء !!.
ـ 4 ـ
وكانت يمامة تتغـنى فوق الــدار ، ومما ردًدتـه :
من خاف على عقبه وعقب عقبه ، فليتـق الله ..
ومن تعقب عـورات الناس ، تعقب الله عـورته .
ومن تعقب الله عـورته ، فضحه ولو كان في جوف رحــم .
ومن كان يحرص على عـرضه ، فليحـرص على أعـراض الناس ..
ومن أراد أن يهتك عـرضه ، فليهتك أعـراض الناس ..
لـذة ساعة غصة إلى قيام الساعة..
وكل دين لابد له من وفـاء .
ودين الأعـراض وفـاؤه بالأعـراض ..
والمرء يهتـك عـرضة ، حين يهتك أعـراض الناس .
والذين يفرحون باللـذة الحـرام قليلاً ، سيبكون على ماجنت أيديهم كثيرا .
والذين يخنون حـرمات الناس ، يخنون حـرماتهم أولا .
ولكنهم غافـلـون عن أمرهم ، لأنهم آخـر من يعلمون ..
ولوعلمو الحق ، لتـواروا عن البشر خجلا وعـارا ..
( إن ربك لبالمرصاد ، وإنه أعـدل العادلين )
ـ 1 ـ
كان تاجراً كبيرا ، وكانت تجارته بين العراق وسورية (2):
يبيع الحبوب في سورية ، ويستورد منها الصابون والأقمشة .
وكان رجلاً مستقيما في خلقه ، قوي التدين ، يزكي ماله ويغدق على الفقراء مما أفاء الله به عليه من خير .
وكان يقضي حاجات الناس ، لايكاد يرد سائلاً ، وكان يقول :
(( زكاة المال من المال وزكاة الجاه قضاء الحاجات )) .
وكان يعود مرضى محلته ويتفقدهم كل يوم تقريبا ، وكان يصلي المغرب والعشاء في مسجدا قرب داره ن فلا يتخلف عن الصلاة أحد من جيرانه الإ ويسأل عنه ، فإذا كان مريضاً عاده ، وإذا كان محتاجا إلى المال أعطاه من ماله ، وإذا كان مسافراً خلفه في عياله .
وكان له ولدُ وابنة واحدة ، بلغا عمر الشباب .
وفي يوم من الأيام ، سأل ولده الوحيد أن يسافر الى سورية بتجارته قائلاً له:
(( لقد كبرت ياولدي ، فلا أقوى على السفر. وقد أصبحت رجلاً والحمد لله
فسافر على بركة الله مع قافلة الحبوب الى حلب فبع مامعك ، وأشتر بها صابوناً وقماشا ثم عد الينا ، ولكنني أوصيك بتقوى الله ، وأطلب منك أن تحافظ على شرف أختك )).
وكان ذلك قبل الحرب العالمية الأولى ، يوم لم يكن حينئذ قطارات ولا سيارات...
ـ 2 ـ
وسافر الشاب بتجارة أبيه من مرحلة إلى مرحلة:
يسهر على إدارت القافلة ، ويحرص على حماية ماله ، ويقوم على شـؤون رجاله .
وفي حلب الشهباء ، باع حبوبه ، واشترى بثمنهامن صابونها الممتاز وقماشها الفاخر،
ثم تجهز للعودة أدراجه إلى الموصل الحدباء .
وفي يوما من الأيام قبيل عودته من حلب ، رأى شابة جميلة تخطر بغلالة من اللاذ (3)
في طريق مقفر بعد غروب الشمس ، أختطف منها قبلة ثم هرب على وجهه وهربت الفتاة . وما كاد يستقر به المقام في مستقره إلا وأخذ يؤنب نفسه وندم على فعلته ولا ساعة مندم .
وكتـم أمره عن أصحابه ، ولم يبح بسره لأحد ، وبعد أيام عاد إلى بلده .
وكان والده الشيخ في غرفته يطل منها على حوش (4) الدار، حين طرق الباب السٌقاء ،
فهرعت إبنته الى الباب تفتحه له ، وحمل السقاء قربته وصبها في اُلحب (5) ،
وأخت الفتى تنتظره على الباب لتغلقه بعد مغادرة السقاء الدار .
وعاد السقاء بقربته الفارغة ، فلما مر بالفتاة قبلها ، ثم هرب لايلوي على شىء .
ولمح أبوها من نافذة غـرفته ماحدث ، فردد من صميم قلبه :
(( لاحول ولا قـوة الا بالله )).
ولم يقل الأب شيئاً ، ولم تقل الفتاة شيئاً .
وعاد السقاء في اليوم الثاني إلى دار الرجل كالمعتاد ، وكان مطأطىء الرأس خجلاُ ، وفتحت له الفتاة الباب ،ولكنه لم يعد الى فعلته مرة أخرى .
لقد كان السقاء يزود الدار بالماء منذ سنين ، كما كان يزود دور المحلة كلها بالماء ،
ولم يكن في يوم من الأيام موضع ريبة ، ولم يحدث له أن ينظر إلى محارم الناس نظرة سوء ،وكان في العقد الخامس من عمرة وقد ولٌى عنه عهد الشباب وما قد يصحبه من تهـور وطيش وغـرور ..
ـ 3 ـ
وقدم الفتى الموصل ، موفور الصحة ، وافر المال .
ولم يفرح والده بالصحة ولا بالمال ، لم يسأل ولده عن تجارته ولا عن سفره ، ولا عن أصحابه التجار في حلب .
لقد سأل ولده أول ماسأله : ماذا فعلت منذ غادرت الموصل إلى أن عدت اليها ؟
وابتدأ الفتى يسرد قصة تجارته ، فقاطعه أبوه متسائلا :
(( هل قبلت فتاة، ومن متى وأين )) فسقط ( 6 ) في يد الشاب ، ثم أنكر ..
واحمرُ وجه الفتى وتلعثم ، وأطرق برأسه إلى الأرض في صمت مطبق كأنه صخرة من صخور الجبال لايتحرك ولا يريـم ( 7 ) .
وكان الصمت فترة قصيرة من عمر الزمن ، ولكنه كان كأنه الدهر .
وأخيراً قال له أبوه : لقد أوصيتك أن تصون عرض أختك في سفرك ، ولكنك لم تفعل .
وقص عليه قصة أخته وكيف قبلها السقاء ، فلا بد ان تلك بتلك القبلة وفاء لدين عليك ..
وانهار الفتى ، واعترف بالحقيقة .
وقال له أبوه مشفقا عليه وعلى أخته وعلى نفسه :
(( أنني لم أكشف ذيلي في حرام ، وكنت أصون عرضي حين كنت أصون اعراض الناس )) ولا أذكر أن لي خيانة في عرض أو سقطة من فاحشة ، أرجو ألا اكون مدينا لله بشيء من ذلك .
وحين قبل السقاء أختك تيقنت أنك قبلت فتاة ما ، فأدت أختك عنك دينك ،
لقد كانت دقة بدقة ، وإن زدت زاد السقاء !!.
ـ 4 ـ
وكانت يمامة تتغـنى فوق الــدار ، ومما ردًدتـه :
من خاف على عقبه وعقب عقبه ، فليتـق الله ..
ومن تعقب عـورات الناس ، تعقب الله عـورته .
ومن تعقب الله عـورته ، فضحه ولو كان في جوف رحــم .
ومن كان يحرص على عـرضه ، فليحـرص على أعـراض الناس ..
ومن أراد أن يهتك عـرضه ، فليهتك أعـراض الناس ..
لـذة ساعة غصة إلى قيام الساعة..
وكل دين لابد له من وفـاء .
ودين الأعـراض وفـاؤه بالأعـراض ..
والمرء يهتـك عـرضة ، حين يهتك أعـراض الناس .
والذين يفرحون باللـذة الحـرام قليلاً ، سيبكون على ماجنت أيديهم كثيرا .
والذين يخنون حـرمات الناس ، يخنون حـرماتهم أولا .
ولكنهم غافـلـون عن أمرهم ، لأنهم آخـر من يعلمون ..
ولوعلمو الحق ، لتـواروا عن البشر خجلا وعـارا ..
( إن ربك لبالمرصاد ، وإنه أعـدل العادلين )